كاتب ومترجم وأديب تونسي يقيم حاليّا في برلين، ألمانيا. درس العلوم الاجتماعيّة بجامعة السربون في باريس، والفلسفة والعلوم الاجتماعيّة بالجامعة الحرّة في برلين. عمل في التدريس بمعاهد التعليم الثانوي بتونس من 1980 إلى 1989، ومارس الكتابة الصحفيّة في صحف ومجلاّت تونسيّة عديدة. له إسهامات فكرية عديدة، ويولي اهتماماً خاصاً بالترجمة الأدبية والفلسفية. وقام بترجمة أعمال الفيلسوف الألماني نيتشه من اللغة الألمانية إلى العربية مباشرة لأنه يقول بأن الترجمة العربية (التي اعتمدت على الترجمة من اللغة الفرنسية إلى العربية هي "رديئة أو كارثة حقا" كما أخبر في حوار صحفي. حصل على جائزة ابن بطوطة للرحلة المعاصرة لسنة 2004
رواية سان دني للكاتب و المترجم التونسي علي مصباح الذي عرفناه بترجماته لكتب الفيلسوف الألماني نيتشه .. الرواية نعدّها تأريخ لفترة السبعينات التي هاجر فيها أربع أصدقاء نحو فرنسا هروبا من واقع تعيس و مليئ بالبؤس ، حالمين بجنّة و نساء جميلات و بلاد أخرى تتجسّد فيها أحلامهم التي وئدت في بلدهم الأصلي .. في فرنسا ، باريس ، ليون ، سان دني المحطة الرئيسية ستتقاطع طرق الأصدقاء لكن سننهل معهم من العالم السفلي الضاج بالنساء و السكارى و المخدرات و التحديات و الواقع السياسي و النضال اليومي اليساري للطلبة .. ستتغير نظرتنا لجيل كامل كان تائها بين ثقافتين ، جيل ممزق راغب في الهجرة و يحنّ للوطن ، ستولد نفسيات مأزومة باحثة عن الخلاص بشتى الطرق ..
تائه في بلاد الأغراب يشعر بالحنين إلى جحيم الوطن.. وطن لفضه وهو بالكاد يستطيع أن يتنفس ليجد نفسه ينخرط في المآسي التي يعيشها العمال المهاجرون في فرنسا وذلك في سبيل أن يحقق حلم راوده منذ صغره وهو الالتحاق بمقاعد الدراسة بجامعة السوربون في الجزء الآخر من الرواية تنخرط شخصية عادل ضمن مجموعة الطلبة المناشدين بالحرية والمنددين بالديكتاتورية، الساعين لقلب عرش المجاهد الاكبر والرجل الأوحد الذي يمارس تسلطه تحت شعار محو الأمية و معتقدات الجاهلية والمضي نحو حداثة منشودة كما يسلط الكاتب الضوء على تردي الأوضاع الاجتماعية للعمال المهاجرين "البلوريتاريا" وصراع الطبقات في المجتمع الباريسي الرواية هي مراوحة بين الواقع الفرنسي والذكريات التونسية للشخصية ، تصف في كل سطر منها نبض الشارع التونسي و صخب الأحياء الباريسية .. رواية تكتبنا ونقرأها فنرى فيها ماضينا وحاضرنا..قرأت صفحاتها الثلاثمائة ولكني لم انتهي منها بعد فأثرها كبير في نفسي
- عن الأوطان التي تلفظنا و نلفظها ، عن الثورة أو شبه الثورة عن الآمال والآلام عن الخيبات والغربة وبردها وإنكساراتها عن العلاقات ومحاولات سرقة الدفء من أي جسد
رواية أحببت جوها و فكرتها لكن يعيبها قليلاً الإطناب و التكرار في بعض العبارات داخلني الملل في بعض أقسامها وشعرت بالحماس في أخرى
بدأها الكاتب في ٢٠٠٣ وأنهاها في ٢٠١٤ !!
أظنها كانت تحتاج بعض التعديلات و بعض المراجعات لكنها كبداية جداً جيدة ومُشجعة
"لم تعترضنا بنات الفرنسيس بالأحضان في ميناء مرسيليا كما كنّا نعتقد، أو كما كنّا نمنّي أنفسنا على الأقل" هكذا تبدأ الرواية وينطلق منها في سرد لتجربة من تجارب الغربة بجوانبها المَلِيحة والبائسة، طبعا أنا تعرّفت على الكاتب علي مصباح من خلال ترجماته لكتب نيتشه، فتبادر في ذهني فكرة أن أقرأ له كتاب ووجدت هذا الكتاب أمامي فأخذت أتصفحه ولتشارك غربتنا في بعض التفاصيل، رُحْت أفرح لفرحته وأغضب لغضبه.
قدم لنا علي مصباح رواية مستوحاه من حياة قد عاشها وجربها، سيرة ذاتيه على شكل رواية، ولكنها رواية لا تخلو من نكهات معرفية، بشخصياتها متعددة الأبعاد، رواية لا تخلو من حدث وزمان ومكان وحبكه.
في هذه الرواية تجد هنا تجد كل شيء، من فلسفة، اديولوجيا، جنس، دعارة، جمال لغوي، دفء باريس وبرودتها، ليلها ونهارها، شوارعها وبيوتها.
---- عجيب كيف كان ينضح الشارع الباريسي بكل هذه الأفكار الاشتراكية، وكيف خفتت الأن، لدرجة انك تشك أن حتى للحقيقة وزارتها كما قال جورج أورويل. حتى للأفكار تاريخ إنتهاء الصلاحية بمجرد إنتهاء الإيديلوجيا وضخ الأموال التي خلفها تنتهي وتموت.
ذهبت هذه التقدمية والتحررية الفكرية والإمبريالية والرأسمالية والرجعية واليسارية وكل هذه المصطلحات باتت باهته تلوكها الأشداق. ------ الذي يزعجني في الروايات يدخلك في مشاكل الناس وانت في غنى عنها لكن نسيت أنني أقرأ لرواية، ليس غاية معرفية بل يجول بيك في عالم الشخصيات المعقدة لا في عالم الأفكار، في تناقضات النفس البشرية. الذي أمقته في الروايات هو عند نحت أي شخصية يجب على الكاتب الدخول في دهاليزها وإظهار يومياتها وسخافاتها وعبقرياتها . ------------------- بعض الإقتباسات من والأشعار التي أُلقيت في الرواية: "هيهات لمن يسعون في الحياة بفكر وعقل" "فإنهم إنما يحلبون ثوراً" "أصوب رأياً منهم أولئك الذين اتخذوا البلاهة ديدناً" "في زمن لا يباع فيه العقل الناضج بقبضة من العشب" - "قل لمن يدّعي في العلم فلسفة" "حفظتَ شيئا وغابت عنك اشياء" - "فرح قلبك وروّح نفسك بكأس عقار تُسقاها" "دع عنك ذكر الماضي ولا تحفل بالآتي" "وأطلق سراح هذه الروح المستعارة" "وفكها من قيود العقل والمنطق" - "الحلم يُوجد لكي تجعل حياتك الحالية أقل مرارة وأكثر قابلية للتحمل" - "لا ينبغي على المرء أن يتغذى إلا مما ينبت فوق أرضه، وبه أيضاً يعالج أمراضه" - "هكذا هي بداية المغامرات دوماً، لا بدّ أن نثبت أوّلا أننا جديرون بالنعيم الذي ينتظرنا في مكان ما ولا يأتي إلينا من تلقاء نفسه" --------- نسيت أن أقول شيئا، يا رشيد: va te faire foutre