تاريخ الفجيعة في المجموعة القصصية "من قتل حكمة الشامي" للأستاذ جمعة اللامي.
عندما قرأتُ هذا الكتاب والذي استهلّه الأستاذ جمعة اللامي بقصصٍ استطاع أن يسترجعها من مجموعته المفقودة "المسيح والجراد" لم أستطِع إلا أن أُفكّر فيما ضاع من قصصٍ عظيمة تحمل رائحة الاسطبل الملكي الذي تحوّل الى سجن على عُجالة والبنادق الاوتماتيكية والأحلام المركّبة.
وعند التقدم في المجموعة لا بد أن يتساءَل المرء من هو حكمة الشامي؟
"قال أبوه، التقيت بأمه التي كانت تحلم به آنئذ، عند ضفة دجلة اليسرى التي تنساب بتعرج ابتداءً من جنوبي مدينة الكوت"
ومن أفضل من أبيه ليحكي عنه؟!
يسعفنا الكاتب إذ يبدو لنا الإسم بلا معنى
"بالمناسـبة عزيـزي القـارئ فهذا الاسم قد لا يعني عندك شيئاً، إلا أنه يجول منذ عشرات السنين في شوارع مدينة العمـارة ومفارزها، يبحـث في المقـابر الرسميـة والسرية عن الموتى ليلاً ونهاراً حاملاً بكف يده اليمنى شمعة"
وفي حال كون القارئ يشكّ بكون حكمة الشامي من نسج الخيال فيقول المؤلف في هذا الصدد
"أقول إن حكمة الشامي رجل حقيقي جداً، كان عليه في 1963/3/14 أن يتصرف
ويحسم زمنه بالشكل الذي تقرأونه...".
وبعد أن عرفنا جميعاً شخصية حكمة الشامي لا بد ان نبحث عن قاتله أو سبب موته على الأقل، هل هو حقّاً أضحية كما قال عرّاف مدينة العمارة لأمه؟ أضحيةً لونسة التي ينام ثعبانٌ تحت جلدها وفي عظامها، ويبني عشه في رحمها... ربما هناك قاتلٌ آخر.
يحدّثنا الأستاذ جمعة اللاميّ عن الحسين أيضاً، يحكي عنه كما لم يحكِ أحدٌ من قبل، يكتب سيرة الفجيعة التي رافقت العراقيين دهوراً طويلة..
يخاطب رئيس الموكب عليّاً بحرقة
"أنت أيها الشجاع تدع ابنك يمـوت وسـط رمـال الـويلات بـلا رمس، تدوس الخيل صدره، وتساق الحرائـر إلى حـرم الطاغيـة ...
ولقد وعدتنا بالرجل الملتحي القادم من جبـال الـشرق علـى جـواد أصيل تتبعه جحافل المحاربين من كل جنس ولون ولغة .. ومـا أتـى الرجل يا أميري..
إننا عاتبون عليك..."
وما يدركون بأن الرجل الموعود واقفٌ فوق الضريح رافعاً يده اليمنى وفيها السيف، يخاطبهم فلا يسمعون، كانوا منشغلين في طقوس الندم والفجيعة، فيرجع الرجل وعلى وجهه علامات الحزن مؤجّلاً ظهوره لزمنٍ آخر.
يسرد الكاتب آلاماً عاشها وعايشها، ويحكي أخباراً عن أُناس لا يعرفهم أحد، ضاعوا -ربما- خلف قضبان السجون او انطمرت أفكارهم تحت تراب الصحارى الشاسعة، رجال قد نكون عرفناهم يوماً ما، لكنّ ما يحكيه جمعة اللاميّ مختلف تماماً عن كل ما سمعناه وأدركناه.
ويكتب في النهاية عن "اليشن" تلك المدينة التي اكتشفها يوماً في خرائطه الشخصيّة والتي سيكتب عنها الكثير لاحقاً..