إن نُظُم التأمين المعاصرة قد عمت بها البلوى وتتابعت في البلاد الإسلامية وتتابع على أثرها بحوث الفقهاء فيها ؛ لذا فقد جاء هذا الكتاب ليكشف اللثام عن هذه القضية ممهدًا لها بتناول الفكرة العامة للتأمين في التاريخ البشري , ثم عرض قضية التأمين التجاري والتعاوني في الفقه الإسلامي , مع ذكر الأدلة ومناقشتها – بعد مدارسة كل ما كتب عن هذه القضية – بمنهج علمي نزيه يقوم على النظر الفقهي المؤصَّل بنصوص الشريعة وقواعدها الغرَّاء
كتاب نافع عن قضية من القضايا التي عمت بها البلوى، ونحن كمسلمين نحتاج للبحث في القضايا المالية التي قد تمسنا سواء في قضايا التأمين أو البنوك وخلافه، بغية تحري الشرع، وحصول الطهارة والبركة في الأموال. أنقل هنا المنهجية التي سار عليها مؤلف الكتاب في بحثه هذا، وملخص النتيجة التي وصل إليها، حيث يقول الكاتب:
في خضم الاراء المتصارعة في القضية وأدلتها المختلفة ؛ ونظرًا لأن الخلاف وقع في القضية بين الرجال ذوي ثقافة موحدة الأصول - ولكل منهم منزلة لا تنكر - كان لا بد للباحث من أن يختط لنفسه منهجًا واضحًا متميزا متخذا من مقررات ثابتة متفق عليها تنير له سبيل النظر في الوجهات والأدلة المتعارضة وتقنية احتمالات التخبط والتناقض والتيه وقد صدر الباحث فى هذا عن عقيدة تؤمن بأن لله تعالى في كل شيء حكمًا واضحًا متميزا لا اختلاف فيه ولا تناقض ولا خفاء ، عرفه من عرفه وجهله من جهله وقد تكون منهج النظر من المقررات التالية : ١ - ما سبق أن قررناه آنفًا في ختام المبحث السابق ، من أن مقياس صحة الرأي هذه القضايا المختلف فيها إنما هو مدى توافقه - أو تخالفه - مع مقررات الشريعة ونصوصها الثابتة ، بصرف النظر عن كافة الاعتبارات الأخرى المتصلة بالرأي ؛ مثل كثرة القائلين به أو قلتهم ، وثقله على النفس أو خفته ، وشهرة القائلين به أو عدم شهرتهم ، وكونه يوافق - أو لا يوافق - هوى شخص ما أو جهة ما لها نوع من السيطرة والنفوذ .. إلى آخر هذه الاعتبارات غير الموضوعية التي يجب أن تُنحى عن مجال النظر. ٢ - التنمية الاقتصادية فريضة دينية ، ولكنها ينبغي أن تكون دائما في نطاق ما شرع الله ، وليس في الخروج عنه ، ولا ينبغي أن يرفع أحد ما في الإسلام شعار ( التنمية الاقتصادية ) كطريق إلى الانفلات من أحكام الشريعة ، أو تجاوزها ،أو التحايل عليها. ٣ - إن نظرة الباحث إلى التنظيمات الاقتصادية الحديثة ينبغي أن تكون في مجموعها وما تصدر عنه - نظرة أصلية متحررة من إسار التقليد المذهبي الضيق ، منطلقة إلى الاجتهاد الفقهى الأصيل الذي يرجع الباحث فيه إلى الأصول الإسلامية المقررة في الكتاب والسنة والاجتهاد ( بكافة طرقه) . 4- ينبغي ألا ينظر الباحث إلى أي تنظيم اقتصادي معاصر إلا في إطار استحضاره وتصوره العام للمقررات التشريعية الإسلامية في (الأموال) وما يتصل بها ؛ فقد يكون عندنا البديل الإسلامي الذي يغني عن النظام المنظور إليه ( ذي الأصل الأجنبي ) ، لكنه يغيب عن البال أو يتراجع إلى حيز فكري آخر إن لم ينطلق الباحث من منطلق النظرة الشمولية المتكاملة لكافة جوانب النظام الاقتصادي وأيضًا فإن أضرار أو مخاطر أو محاسن بعض التنظيمات قد لا تبدو للباحث بوضوح ، إذا فصلها عن تصوره العام لبقية أجزاء النظام الاقتصادي المؤلف من ما تعنيه كلمة ( أموال ) في الإسلام . ه - إن الصدور عن محض الرغبة في التوفيق – أو التلفيق - بين مقررات الشريعة وهذه الأوضاع الاقتصادية المعاصرة بمحاولة تلمس المستند لها بكل طريق في الفكر الفقهي الإسلامي - والبدء أصلا بهذه الرغبة قبل النظر – منطلق لا ينبغي أن يبدأ به الفقيه مهما تكن مبرراته في ذلك ؛ سواء أكانت ترجع إلى مراعاة واقع المسلمين وخوفه الموهوم على ما بقي من إسلامهم إن هو ( تشدد ) في الاجتهاد ومحصه ، أم كانت ترجع إلى مهادنة القوى الحريصة على استمرار أوضاع المسلمين بعيدة عن الشريعة ، بغية البعد عما يمكن أن تسبّبه هذه القوى من أذى لمن لا يتوافق معها ، أو بغية اكتساب نفع ما من قبلها. ٦ - إن انتشار أو شيوع تنظيم ما - ولو عمَّ المسلمين جميعا - لا يمكن أبدًا أن يكون في ذاته مقياسًا لصحته من الوجهة الإسلامية ؛ ذلك أنه ألا يكون للأمر الواقع عندنا أي اعتبار في بناء المشروعية عليه إذا تبينت لنا مخالفته القطعية لمقررات الشريعة . ولا تقبل هنا دعوى (العرف المنتشر) ومحاولة التماس المشروعية للتنظيم من طريقة ؛ لأن العرف المخالف قطعًا للشريعة لا اعتبار له ولو عم الناس جميعا . واعتبار مثل هذا العُرف يهدم الشريعة شيئًا فشيئًا. 7- إنه لا مجال للحديث عن ( الضرورة ) - التي تباح المحرمات فيها قياسًا - على ما ورد في آيات القرآن الكريم عنها - إلا بشروط الاضطرار التي يئنتها النصوص الشرعية، وكذلك الشأن في الحاجات التي تنزل منزلة الضرورة دفعا للحرج ، فينبغي أن تكون هى الأخرى أيضًا محكومة بشروطها الشرعية . 8- إذا اشتبهت علينا الأمور ونحن نبحث عن الحكم الشرعي ، فلم يستبن لنا أمره بصورة واضحة بالرغم من معاودة النظر وبذل أقصى الجهد ، أو تكافأت فيه الأدلة في نهاية الأمر ولم ير الباحث وجها واضحًا للترجيح ، فإنه ينبغي عليه العمل بالأصل الشرعي المقرر في حديث المشتبهات : ( .. فمن اتقى الشبهات استبرأ لدينه وعرضه.). وعلى ضوء هذا راجعت آراء الفقهاء في التأمين ، وأدلة كل رأي ، وأمعنت النظر بأناة فيها ، ورجعت كلا منها لأصوله ، ووازنت بينها باذلا أقصى الجهد في ذلك ، ومن ثم انتهيت إلى النتيجة التالية المكونة من شقين : ( أ ) عقود التأمين التجاري تشتمل على أمور تجعلها غير مشروعة . ولا يصح التنظير بين هذه العقود وما في الفقه الإسلامي من عقود ونظم مشروعة ، كما لا يصح الاستدلال لها بالأصول الإسلامية . (ب ) التأمين التعاوني يتفق في أصله مع نصوص الشريعة وقواعدها ، وينبغي أن تراعى في تطبيقه هذه النصوص والقواعد .