شاعر جاهلي أمويّ، رقيقٌ، عفيف، أَنِفٌ، شهم، جواد، وسيم الطلعة، حسن الخلقة، تامَّ البنية. يعودُ اسم الدُّمينة لأمه: الدُّمينة بنت حذيفة السلولية، وبها عُرِف. من أعذب الشعراء في الغزل العفيف وأطربهم، وقلّما يرى له هجاء أو مدحًا مرائيًا. يعودُ نسبه إلى خثعم، واختلف في ذلك بسبب الحلف التاريخيّ المعروف بين أكلب (وقبائل غيرهم)، وابن الدمينة كثيرَ التفاخر والاعتزاز بقومه (خثعم) من قوله: وَخَثعَمُ قَومِي ما مِنَ الناسِ مَعشَر أَعَمُ نَدى مِنهُم وَأَنَجى لِخائِفِ وَأَفدَى لِمَغلُولٍ وَأَوفَى بذمة وأوقى لِضَيمٍ عَن نَقِيلٍ مُحالِفِ
عُرِف عنه كثرة سفره وترحاله، وكُنِّيَ بأبو السرى، من قوله: وأنتِ التي كَلَّفتِني دَلَجَ السُرَى وجُونُ القطا بالجلهتَين جُثُومُ
تنقَّل ابن الدمينة بين ديار قومه (بيشة) في تهامة ونجد، وتغنَّى بها وبأوديتها ومنازلهم وبواديهم، وأكثَر الأشعار قاصدًا حبيبته أميمة: لَولا رَجَاؤُكَ لَم أسِر مِن بِيشة عَرضَ العِرَاقِ بِفتيَةٍ وَرَواحِلِ
وأيضًا: ألا يا صَبا نَجْدٍ متى هِجْتَ من نجدِ لقد زادَني مسراكَ وجدًا على وجدي أأنْ هتفتْ ورقاءُ في رَونَقِ الضُّحى على فَنَنٍ غَضِّ النَّباتِ من الرَّندِ
كان ابن الدمينة أحد الشعراء الذين تيَّم الحب قلبه، ومن الفراق والفقد عذَّبَه، فسالت أشعاره غزلًا عفيفًا، دقيق المعنى، يُكلِم القلب وينفد من العين ماءها بعشق (أميمة الأكلبية): أُقَضي نَهاري بالحَديث وبالمنى ويجمعني وَالهَم بِالليلِ جامعُ نَهَارِي نَهارُ الناسِ حَتى إِذا بَدا لي الليلُ هَزتنِي إِليكَ المَضاجعُ
وأيضًا: قِفى يا أُمَيمَ القَلبِ نَقرَأ تَحِيَّةً وَنَقضِ الهَوَى ثم افعَلِي ما بَدالَكِ فَلَو قُلتِ طَأ في النّارِ أَعلَمُ أَنَّهُ هَوًى مِنكِ أَو مُدنٍ لَنا مِن وِصالِكِ لَقَدَّمتُ رِجلي نَحوَها فَوَطِئتُها هُدَيَّاكِ لي أَو هَفوَةً من ضَلالِكِ
وهذه سجيّة كل عاشق ما بلغ عشقه منتهاه من الشكوى والسلوى سوى الشعر وسيلةً للإفصاح والمكاشفة، وقيل: في ذات يوم أرسلت إليه حبيبته (أميمة) وأبلغته أن أهلها قد نهوها عن لقائه ومراسلته فأنشد يقول: أطَعتِ الآمِريكِ بقَطْعِ حَبلي؟ مُريهمْ في أحِبَّتِهِم بذَاكِ فإن هم طاوعُوكِ فطاوعِيهم وإنْ عاصَوكِ فاعْصي من عصَاكِ
ومن شعره فيها يقول: أمِنْكِ أميمَ الدَّارُ غيَّرها البِلى وهَيفٌ بجَوْلانِ الترابُ لعوبُ
ومثل ديدن غيره ممن جوى العشق قلبه، لم ينَل مراده وتزوج بغيرها -وربما اضطرارًا تبعًا للأعراف الاجتماعية والمجتمع البدوي خاصّة، فتزوج ابن الدمينة بامرأة من أخواله تدعى (حمَّاء) وبلغه في غيبته عنها أن (مزاحم بن عمرو السلولي) تودَّد لها وزارها ليلًا وقال فيها شعرًا لما وقعَ بينهما، فعلِم ابن الدمينة -وقد أنكرت زوجه صحة ما بلغه- فترصَّد له وأعدَّ له الكمين، وضربه وقصد كبده حتى قتله وطرحه ميِّتًا. وكتب في ذلك شعرًا.
ولم يطِل الزمن حتى أخذ قوم مزاحم بثأرهم منه وقتل غيلةً بعد عودته من الحج على يد (مصعب السلولي) شقيق مزاحم.
وهكذا طويت صفحة شاعر عفيف اللسان، عذب البيان، متأثِّرًا بجراحه، وطُلَّ دمه.
كانت رحلة لطيفة حينا وشاقة أحيانا مع ديوان ابن الدُّمَينة، وبعد قراءته كاملا لم أجد أدقّ من وصف أبي عبد الله الزبير بن بكار لابن الدُّمينة إذ قال: "كان ابن الدمينة - وهو عبد الله بن عُبيد الله - من أحسن الناس نمطًا، يجتمع له مع رقّة المعاني الفصاحة، ومع العذوبة الجزالة، وكان مقدَّمًا في المتغزّلين، نقيّ الكلِم، بعيدًا عن التكلّف، يخلط بمذاهب الأعراب حلاوة الحجازيين، وأكثر شعره نسيب". انتهى كلام الزبير.
وللأمانة كنت أبحث عن "حلاوة الحجازيين" في شعر ابن الدمينة، وقد وجدت بعض المقتطفات اللطيفة التي تعبّر عن رقّة شعره وعن عفّته، وإن كنت قد عانيت كثيرا من شعره الذي يحمل الكثير من الألفاظ الوحشية الخشنة التي لم تعد مستعملة، مما جعلني أحتاج دوما إلى مراجعة الهوامش، وهذه فرصة للإشادة بتحقيق أحمد راتب النفّاخ الذي أجاد في جمع روايات الديوان وتقديم الروايات المختلفة لبعض الأبيات مع العناية بشرح المفردات.
وهذه مختارات راقت لي في شعر ابن الدمينة جمعتها في كنّاشتي:
يقول في عذوبة فائقة:
وقد زعموا أن المحبّ إذا دنا .. يملُّ وأنّ النأيَ يشفي من الوجدِ بكلٍّ تداوَيْنا فلم يشفِ ما بِنا .. على أنّ قربَ الدّارِ خيرٌ من البُعدِ
وله فلسفة راقت لي لخصها في بيتين، مفادها أنّه لا خير في الحبّ الذي لا يخرج إلى اللغة ويظلّ شعورا مستكنّا في القلب، يقول رحمه الله:
ولا خيرَ في حُبٍّ يكونُ كأنّه .. شَغافٌ أجنّتْهُ حشًا وضُلوعُ إذا لم يكنْ فيه ثناءٌ مُحَبَّرٌ .. ومُطَّرَحٌ قولُ الوشاةِ منيعُ
فها هنا يعقد ابن الدُمينة للحبّ مسرحًا فيه ثلاثة عناصر: القلب واللغة والآخر. والحبّ الحقيقيّ عنده هو ذلك الذي يندفع من القلب عبر اللغة ولا يخشى الآخرين من الوشاة.
وفي بيتين آخرين يلخّص ابن الدمينة حالة نفسية تصيب الكثير من العشّاق على مرّ الدهور، وهي أن يفقد المحب محبوبته فيبحث عن صفاتها في غيرها، يقول:
ولمّا أبى إلا جِماحًا فؤادُهُ .. ولم يسلُ عن ليلى بمالٍ ولا أهلِ تسلّى بأخرى غيرِها فإذا التي .. تسلّى بها تُغري بليلى ولا تُسْلي
وإني أعيذ القارئ أن يظنّ دلالة فعل "تسلّى" هي نفس دلالتها في هذه الأيام، بل يعني أنه طلب نسيانها بتجربة جديدة، لا أنه يعبث ويُرفّه عن نفسه بأخرى.
وفي أمنيات مشحونة بأجواء الطبيعة البِكر يخبرنا ابن الدمينة بروح منطلقة لطيفة فيقول:
يا ليتنا فرَدا وحشٍ نبيتُ معًا .. نرعى المِتان ونخفى في فيافيها وليت كُدرَ القَطا حلّقْنَ بي وبها .. دونَ السماءِ فعِشنا في خوافيها وليتّ أنّي وإيّاها على جبلٍ .. في رأسِ شاهقةٍ صعبٍ مراقيها أكثرتُ من ليتَني لو كان ينفعني .. ومِن مُنى النفسِ لو تُعطى أمانيها
وهذا لطيف جدا، فهو يجول بنا أولا في أمانٍ تجمعها العزلة التامة عن مجتمعات البشر المشحونة بالعذال والوشاة، ثم يستدرك بوعي متعال ليجعل منية النفس أن تعطى الأماني بصرف النظر عن تفاصيلها.
ومن عفيف شعره قوله:
وما ماءُ مُزنٍ في حُجيْلاءَ دونَها .. مناكبُ من شُمّ الذُرا ولُهوبُ بأطيبَ من فيها مذاقًا وإنّني .. بشَيْمي إذا أبصرتُه لطبيبُ
فهو يفضّل مذاق ريقها على هذا الماء الطبيعي الهاطل من الأعالي والذي وصفه أجمل وصف، ولكنه يستدرك ويخبرنا أنه يعرف ذلك بمجرد أن يراه وينظر إليه كما يعرف الناظر إلى الماء الهاطل طيبه!
قصة هيام عبدالله وعِشقه الطويلة لأميمة، ثم زواجه بها، ثم قتله لها مع ابنتها بسبب غِيرته توجع القلب. الديوان مليء بقصائد تفيض حبّا وهياماً بأميمة، أنكر في بعضهن أن فؤاده سيسلو عن حبّها، وقال في أخريات أنه لن يطيع فيها العذّال والوشاة، لكنّه صدّق واشياً وقتلها بعدما تزوجها وقتل ابنتهما الصغيرة معها ..
قراءة الديوان مع معرفة نهاية قصّتهما تبعث الأحزان في الفؤاد.