لعل مما ترتاحُ إليه النفس، أن يعبّر عمّا بداخلها لسانُ أديبٍ صادق، فيستخرج مكنونها، ويبرز شجونها
وحديث الحنين = هو بوح كل غريب .. غريبٍ عن وطنه، أو غريبٍ في وطنه
وحنين النفس مُتشعّبٌ على عدد شِعاب القلب .. فكل ما يهواه القلب؛ يحنُّ إليه .. ويتروّحُ بنسيم ذكراه، كما تتروّحُ الأرضُ الجَدبةُ ببَلّ القَطر
كما قالت علية بنت المهدي: ومُغتربٍ بالمَرجِ يبكي لشجوهِ .. وقد غاب عنه المُسعدونَ على الحُبِ إذا ما أتاه الركبُ من نحو أرضهِ .. تنفّسَ ، يَستشفي برائحة الركبِ
ولم يزل أوائلُ هوى القلب، صاحب النصيب الأكبر من الحنين .. دياراً كان أو أناساً
كما قيل: كم مَنزلٍ في الأرض يألفهُ الفتى .. وحنينُهُ أبداً لأولِ مَنزلِ
وقيل: أحنُّ إذا رأيتُ جمالَ قومي .. وأبكي إن سمعتُ لها حنينا سقىَ الغيثُ المُجدُّ بلادَ قومي .. وإنْ خَلَتِ الديارُ وإن بَلينا على نجدٍ وساكن أرض نجدٍ .. تحياتٌ يَرحُنَ ويغتدينا
ومما يستروحُ إليه العليل، قول مَنْ قال: إذا هبّتِ الأرواحُ من نحو جانبٍ .. بهِ أهلُ نجدٍ ؛ هاجَ قلبي هُبوبُها هوىً تذرفُ العينانِ منهُ وإنما .. هوى كلٍ نفسٍ حيث حلَّ حبيبُها
قيل لأعرابي: ما الغبطة؟ قال: الكفاية مع لزوم الأوطان، والجلوس مع الإخوان. قيل: فما الذِّلة؟ قال: التنقل في البلدان، والتنحي عن الأوطان. لعل الأمر المشترك الوحيد مهما كانت صفة المغترب أو البعيد عن وطنه هو "الحنين" هذا الداء الذي ورغم أن المغترب سمع عنه كثيرا قبل اغترابه غير أنه لا يؤمن بها ولا يصدقه إلا اذا جرّبه، أحيانا لا أكاد أصدق أحدا يقول لي "اشتقت إلى ريح الوطن" وأسأل نفسي وهل تختلف الروائح من وطن إلى وطن؟ في هذا الكتاب يطرح الكاتب مجموعة من الأشعار والأقوال التي تزيد من شجون المحزون بفقده وطنه وحتى الذي يعيش في كنف وطنه تحرك فيه هذه الكلمات نوعا من الأسى وهو يتصور نفسه خارج أسوار وطنه... ومهما وُضعت من حجج في هذا السياق فيما يخص السعي وراء الرزق في غير بلاد المرء غير أن للأعراب رأيهم وفي هذا قولهم:
إذا كنت في غير أهلك، فلا تنس نصيبك من الذل. --- كم منزل في الأرض يألفه الفتى *** وحنينه أبدًا لأول منزلِ نقِّل فؤادك حيث شئت من الهوى *** ما الحب إلا للحبيب الأولِ --- إذا ما ذكرت الثغر فاضت مدامعي*** وأضحى فؤادي نهبة للهماهم حنينا إلى أرضٍ بها اخضر شاربي*** وحُلَّت بها عني عقود التمائم وألطف قـوم بالفتى أهـل أرضــه *** وأرعاهم للمـرء حــقَّ التقادم --- إذا هبت الأرواح من نحو جانب *** به أهل نجد هاج قلبي هبوبها هوىً تذرف العينان منه، وإنما *** هوى كل نفس حيث حلَّ حبيبها --- تلفّتُ من حلوان والدمع غالب *** إلى أهل نجدٍ أين حلوانُ من نجدِ لحصباء نجد حين يضربها الندى *** ألذّ وأشفى للعليل من الورد ألا ليت شعري عن أناسٍ بكيتهم *** لفقدهم هــل يبكيَنّهــم فقدي أُداوي ببرد الماء حر صبابتي *** وما للحشا والقلب غيرك من بردِ --- ما اليوم أول توديعي ولا الثاني *** البين هيّج لي شوقي وأحزاني دع الفراق فإن الدهر سَاعَده *** فصار أولع من روحي وبجثماني خليفة الخضر من يربع على وطن *** في بلدة، فظهور العِيس أوطاني بالشام قومي وبغداد الهوى، وأنا *** بالرقتين، وبالفسطاط إخواني وما أظن النوى ترضى بما صنعت *** حتى تبلغنى أقصى خراسانِ --- أطرت عني رقادي *** وكلتني بالسُّهـــاد وكيف بلتذُ عيشًا *** أو يشتفي من رقاد من جسمه في بلادٍ *** وقلبه في بلادِ ؟! --- جسمي معي غير أن الروح عندكم *** فالجسم في غربة والروح في الوطن فليعجب منــي الناس أنَّ لي بدنــا *** لا روح فيــه، ولي روح بلا بـــــــدن ويأتي العزاء في بعض الأبيات علها تكون ترياقا لمن تجرع ألم الغربة فيصبر نفسه بها وهي تتماشى بصورة منطقية ما نعانيه في أوطاننا أوطان الفقر:
الفقر في أوطاننا غربة *** والمال في الغربة أوطان والأرض شيء كله واحد *** ويخلف الجيران جيران
مجموعة دافئة من أشعار الحنين الى الوطن. كلٌ له وطنه، مَن وطنه حبيبه، ومَن وطنه أهله، ومَن وطنه مكانته و ماله ، ومَن وطنه ذكرياته وأشواقه؛ لكن ولا ريب كلٌ له وطنٌ.
من الحنين
أرى الدنيا بغيرك غير دنيا ❤ كأنى لا أرى فيها سواكا ويمنحُنى لُبابُ العيشِ فيها ❤ فلا أهنى بها حتى أراكا
كم منزلٍ فى الارض يألفه الفتى ❤ وحنينه أبداً لأول منزلِ نقل فؤادك حيث شئت من الهوى ❤ ما الحبُ إلا للحبيب الأولِ
عن ذل الغربة
إن الغريبَ له استكانة مذنبٍ ♤ وخضوعُ مديون وذلُّ غريب فإذا تكلم في المجالس مُبرمٌ ♤ وإذا أصاب يقال غيرُ مصيب فإذا الغريبُ رأيته متحيراً ♤ فارحم تحيره لفقد حبيب
الحنين إلى الأوطان - محمد بن سهل بن المرزبان الكرخي البغدادي وهو تلميذ الكسروى صاحب كتاب آخر اسمه (الحنين إلى الأوطان) يُنسب خطأ إلى الجاحظ كما توصّل لذلك محقق هذه النسخة
أبواب الكتاب:
-ما جاء في حب الوطن -الحنين إلى البقاع لأهلها -مَن اختار الوطن على الثروة -من اختار الثروة على الوطن -ذل الغربة -ما قيل في نوح الحمام -من تداولته الغربة -مَنجسمه بأرض وقلبه بأخرى -وصف الوطن بالطِيب والنزهة -ما قيل في الأشجار والضياء والبروق وغير ذلك -ما قيل في حنين الإبل -في المسائلة عن الحنين -في النهي عن التفرد
مختارات:
لَقرب الدار في الإقتار خير *** من العيش الموسّع في اغتراب
عسرك في بلدك خير من يسرك في غربتك.
"لولا حب الوطن لخرب البلد السوء" -عمر بن الخطاب-
بحبّ الأوطان، عُمّرت البلدان.
وجدنا الناس بأوطانهم أقنع منهم بأقسامهم.
أرى الدنيا بغيرك غير دنيا *** كأني لا أرى فيها سواكا ويمنحُنى لُبابُ العيشِ فيها *** فلا أهنى بها حتى أراكا
مر بشار الأعمى (أظنه يعني ابن برد) بباب الطاقِ فسمع صياح قمرية، فقال لغلامه: انطلق، فإن وجدت هذه القمرية بجناحها فاشترها ولو بوزنها ذهباً، فوجدها بجناحها فاشتراها بثلاثة دنانير، فلمسها بيده ثم قال: ناحت مطوقة بباب الطاق * فجرت سوابق دمعك المهراقِ طربت إلى أرض الحجاز بحرقة * فشجت فؤاد الهائم المشتاقِ تعس الفراق وجذ حبل وتينه * وسقاه من سم الأساود ساقي يا ويحه ما قصده قمرية * لم تدرِ ما بغداد في الآفاقِ كانت تفرخ في الأراك وربما * كانت تفرخ في فروع الساقِ فأتى الفراق بها العراق فأصبحت * بعد الأراك تنوح في الأسواقِ بي مثل ما بك يا حمامة فاسألي * من فك أسرك أن يفك وثاقي إن الحمائم لم تزل بحنينها * قِدماً تبكّي أعين العشاقِ
جسمي معي غير أن الروح عندكم *** فالجسم في غربة، والروح في وطن فَليَعجَبِ النّاسُ منّي أنّ لي بَدَناً *** لا رُوحَ فيهِ، وَلي رُوحٌ بلا بَدَنِ
أيا أثلة الطرّاد إني لسائل * عن الأثل، مِن جرّاك ما فعل الأثل أدمتَ على العهد الذي كنتَ مرةً * عهدناكَ، أم أزرى بأفيائك المحل؟ ومِن عادة الأيام إبلاء جِدةٍ * وتفريق أُلّافٍ وأن يُصرم الوصل
فيمن عزّى نفسه باستحالة الوطن عما عهده:
تحن إلى نجد وقد رعيَت نجد *** وخانك من تهوى وحال به العهد متى ما ترد نجدا وبرد نياهها *** تجدها وما فيها لذي علة وردُ وكانت مُساغا والنوى مطمئنة *** فكيف ترى إذ حال مِن دونِها البعد
فلم أرَ قرب الدار يشفي من الجوى *** ولا البعد أيضا من ديارهم أجدى
يا طائرَين على غصن أنا لكما *** مِن أنصح الناس لا أبغي به ثمنا طِيرا إذا طِرتما زوجاً فإنكما *** لا تأمنان إذا أُفرِدتما حزَنا هذا أنا لا على غيري أحيلكما *** لما انفردتُ عَدِمت الإلف والوطنا
لا يُستغرب هذا الحنين وهذا التصنيف في الحنين إلى الأوطان، من مصنّف عراقي!