يذكر المؤلف بأن كتابه هذا إنما جاء رداً على اللورد كرومر معتمد الدولة الإنكليزية في مصر في كتابه "مصر الحديثة" والذي انتقد فيه كرومر الإسلام زاعماً أنه دين مناف للمدنية وليس هو بصالح إلا للزمن والمحيط الذي وجد فيهما وأن المسلمين لا يمكن أن يرقوا في سلم الحضارة والتمدن إلا بعد أن يتركوا دينهم وينبذوا القرآن وأوامره ظهرياً لأنه يأمرهم بالخمول والتعصب، ويبث فيهم روح البغض للأغيار والشقاق وحب الانتقام، ولأنه أتى بما يتناقض مدنية هذا العصر من حيث الجرأة والرقيق الخ، ثم أخذ كرومر في كتابه هذا يفاضل بين الديانتين الإسلامية والمسيحية من حيث العبادات والأخلاق الخ، واتخذ ذلك ذريعة للطعن في الإسلام وعباداته وأخلاقه وآدابه الخ، فعل ذلك بعد أن مدح الإسلام من حيث هو عبادة وأدب فكان في كلامه التناقض الظاهر، أما كون الإسلام شريعة وسياسة ومعاملات فهو مما لا يوافق عليه اللورد أبداً بل ينحي عليه أشد الاتحاد ويطعن فيه أوسع الطعن من هذه الجهة. ولباب الأمر "على رأي كرومر" أن المانع الأعظم والعقبة الكؤود في سبيل رقي الأمة الإسلامية هو الدين أو القرآن. من أجل ذلك كله عزم الشيخ مصطفى الغلاييني تأليف هذا الكتاب "الإسلام روح المدنية" يرد به مزاعم وينقض أكاذيبه وأقواله الأفاكة نقضاً، مثبتاً أن الدين الإسلامي هو خير دين أخرج للناس، وأنه "روح المدنية" وموافق لكل زمان ومكان، متحاشياً التعرض لغير الدين الإسلامي بسوء ليقينه أن الأديان كلها تأمر بالخير وما فيه السعادة، وعملاً بقوله تعالى: (ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن)، وقوله صلى الله عليه وسلم: "من أمر بمعروف فليكن أمره بمعروف".
لذا عمد المؤلف إذا استدعته الحاجة لذكر غير الإسلام من الإسلام فإنما يذكره ليبين للورد أنه ليس خيراً من الإسلام فيما أخذ به عليه أو أن الإسلام خير في هذه المسألة مثلاً. ولم يكن غرض الشيخ الغلاييني من كتابه هذا إظهار أن الإسلام بريء من هذه الوصمات التي وصمه بها اللورد، لأن ذلك معلوم لدى كل عاقل ترفع عن التدنس بدنس التعصب، وإنما غرضه إظهار لهؤلاء من الأوروبيين ولكرومر ومن كان على شاكلته أن الدين الإسلامي هو دون ما يفهمون وغير ما يكتبون عنه، بل إن البون شاسع بينه وبين مزاعمهم.
هو مصطفى بن محمد بن سليم بن محي الدين بن مصطفى الغلاييني، ولد في بيروت سنة 1302هـ 1886م، وتنتمي أسرته إلى الفوايد، وهي من قبيلة الحويطات، منازلها بين العقبة والوجه من أرض الحجاز، ومنها أفخاذ تضرب في وادي النيل.
وعلى غرار الناشئين من أبناء زمانه في أواخر القرن التاسع عشر، فإنه كان يلازم حلقات العلماء الذين كانوا يقومون بالتدريس في الجامع العمري الكبير في بيروت، وقد تلقى الشيخ مصطفى الغلاييني علومه الأولى على الشيخ محيي الدين الخيّاط الذي قرأ عليه العربيّة والجغرافية والتاريخ والشيخ عبد الباسط الفاخوري الذي قرأ عليه الفقه الإسلامي وعلم الكلام وأصول التوحيد، والشيخ صالح الرافعي الطرابلسي الذي قرأ عليه مادة الأدب العربي والشعر وفن المقامة.
ومن بيوت علماء بيروت وحلقاتهم في الجامع العمري الكبير في بيروت انتقل الغلاييني إلى مصر حيث ألتحق بالجامع الأزهر الشريف يطلب العلم في حلقات العلماء المصريين عند سواري هذا الجامع الجامعة، وكان من شيوخه في هذه المرحلة سيد بن علي المرصفي ، المرجع في علوم العربيّة آنذاك.
لم يمكث في مصر سوى ستة شهور نشر خلالها في جريدة الأهرام عدة مقالات فيما يراه من أوجه إصلاح البرامج التعليميّة في الجامع الأزهر الشريف، ثم قفل عائداً إلى مسقط رأسه بيروت حيث اتخذ له حلقة للتدريس في الجامع العمري الكبير، كما التحق بجهاز المعلمين في الكليّة العُثمانيّة لصاحبها الشيخ أحمد عبّاس الأزهري أستاذاً لمادة اللغة العربيّة وآدابها.
كانت المحكمة الشرعيّة العليا في بيروت المرحلة التي مرّ بها وهو في طريقه إلى نهاية مطافه في هذه الدنيا. انتقل رحمه الله تعالى إلى جوار ربه ورحمته في 17 شباط سنة 1944م وتمّ دفن جُثمانه الطاهر في جبانة الباشورة في بيروت .
من مؤلفاته:
جامع الدروس العربية أريج الزهر نظرات في السفور والحجاب الإسلام روح المدنيّة اللورد كرومر الثريا المضيئة في الدروس العروضيّة القواعد العربيّة رجال المعلقات العشر عظة الناشئين نظرات في الأدب والفقه لباب الخيار في السيرة المختارة