الرحلات، هذا الأدب الشيق، والغني بالتفاصيل الممتعة، والوصف الحيوي، والسرد السلس المتدفق. أشعر بذلك حين أسافر مع الرحالة وأركب معه تخوم سفنه، وعربات قطاراته، ومقاعد طياراته، وألازمه في الموانئ والمحطات، والتلال والسهول والبحار، وأشعر كما يشعر بالجمال، بالجدة، بالانطلاق، بالتعب، بالحاجة إلى النوم، كل ذلك وأكثر، فكيف إذا كانت وجهة الرحلة إلى الماضي القريب ربما في المكان الذي أنتمي إليه، في معقل هويتي العربية التي أفتخر بها إلى ما فوق الفخر نفسه. البارون إداورد نولده يتنزه في وسط الجزيرة العربية، من الشام تبدأ انطلاقته مروراً بالجوف، ثم الحيانية ثم حائل حيث يواجه ابن رشيد الذي يحسن ضيافته وصداقته. يتحدث البارون عما رأى وشاهد، ويروي في بعض الأحيان ما يُنقل إليه، ما يهمني أنا كقارئ، أن آخذ انطباع مشاهداته وتصوراته عن ذلك؛ أما المرويات التي ينقلها فخاضعة دون شك لتقليب نظر، وتحكيم منطق حتى يتبين صحة ما يروى أم خطئه. يمدح العرب في معاملتهم لعبيدهم، ويقول عن العبيد بأنهم مدللين كأبنائهم وهذا بخلاف ما عندنا في أوروبا. كذلك يتحدث عن سجية عربية خالصة ربما حين وداع ابن عم ابن رشيد وصي حائل له بأن ضمه وبكى. يقول العرب مندفعين عاطفياً. ما يميز أدب الرحلات أنه ثرٌّ كينبوع في تدفق المعلومات، والوصف، والحياة. وهذا للأسف ما لم يحدث بشكل وافٍ هنا. البارون يختصر، يوجز، لا يتطرق إلى التعمق في المشاهدات التي تماست مع تأملاته. يصف أحد أبناء آل سعود وهو أمير على الرياض لابن رشيد، ولا يطيل، سطران فقط، ثم يقول لا أود الإطالة، هذا نموذج على ما أردت قوله. كنت شغوفاً أكثر عما يمكن أن يضيفه لي الكتاب؛ لكنه لم يكن على قدر معتبرٍ من الإضافة التي كنتُ أودها؛ لذا فالكتاب إجمالاً مقبول لا بأس به.
رحلة إلى وسط الجزيرة العربية (1892-1309) (دمشق-الجوف-حائل-القصيم-العراق) يعد هذا التوثيق من الأعمال النادرة التي تصف وتسجل مشاهد من قلب الجزيرة العربية أواخر القرن التاسع عشر من خلال عينيّ البارون إدوارد نولده ..
الكتابة التقريرية الوصفية منحت الكتاب طابعًا استكشافيًا واستخباري ! مما يجعله وثيقة تاريخية تتحدث عن الجزيرة العربية في تلك الفترة .. ما منح هذا العمل الكلاسيكي النادر أهمية هو أن المعلومات عن الجزيرة العربية في تلك الفترة نادرةً وشحيحة ، عادات البدو ، القبائل التي التقى بها ، المناخ والبيئة الجُغرافية وكذلك العلاقات بين القوى والقبائل ..
تحدث في هذا الكتاب عن القوى السياسية التي كانت تُسيطر على نجد والجزيرة العربية ، عرج البارون على ابن رشيد أمير حائل في تلك الفترة وأظهره بصورة رجل الدولة الذي يتصف بالكرمِ أيضًا، وأنه واقعي وذو نظرةٍ تحليلية .. كان وصفُ الصحراء العربية في الكِتاب بديعًا جدًا ، الصحراء ككيان حيّ لهُ مساحةٌ شاسعة وحضورٌ قوي ، تتنفس بوضوح وسط الكُثبان الرميلة والرياح الحارقة التي حملت آلاف الحكايات .. من الجميل أن يتجول المرء وحيداً في هذه القفراء البديعة بجوِّها النقي الذي لا مثيل له، لكي يعود ويشعر بأنَّه محاط بعالم كامل هو وحده فيه المعتبر والمالك ولا يشعر المرء في وسطه بأنَّه حاكم مطلق وحسب، بل هو فعلاً كذلك.
كتاب لا بئس به ، جل المعلومات عن ابن رشيد وكلها معلومات بسيطه جداً ، وقد قرأت مقال ان نولده هذا - صاحب الكتاب - كان جاسوس للقيصر الروسي وزيارته هذة كانت ضمن نطاق عملة الجاسوسية