هذه رسالة المعمار اللبناني رهيف فيّاض التي يختتم بها مجموعة المقالات والكلمات التي يضمها الكتاب، رسالة صادقة وحثيثة، تماما كما هو الجهد المبذول في البحث والكتابة. والنتيجة؟ كتاب أظن كل معماري عربي بحاجة الى قراءته: طرح عربي بامتياز وتأصيل لهذا الطرح في السياق العالمي للعمارة.
يصل فياض الى هذه الخلاصة في سلاسة مقنعة ومذهلة نظرا لتعدد المواضيع التي تطرحها المقالات (المنشورة في السفير والأخبار) والكلمات التي ألقاها الكاتب في مناسبات ومؤتمرات مختلفة. يبدأ رحلته بأسلوب أدبيّ جميل وممتع من السراي الكبير في بيروت حيث أقيمت ورشة ترتيب الأراضي اللبنانية، ويعرّف القارئ الى بيروت التي لا يعرفها: بيروت سوليدير ما بعد الحرب وبيروت المتعدية على البحر، ويناقش التحولات والطفرات العمرانية التي مرت بها المدينة عبر تاريخها الحديث المرّ متنقلا بين المجالين المعماري والمديني بسهولة ودون تقطع.
في نظر فياض، المدينة هي الناس والإرث التاريخي والاجتماعي والمعماري مجتمعين، من بيروت الى حلب الى القدس، النظرة واحدة والنص المكتوب واضح وحاسم في موقفه من التطور العمراني الطبيعي وفي مقابله طفرات العمران الناتجة عن جشع الاستثمار والاستعمار. يطرح فياض كذلك مدننا العربية للنقاش في ظل النظريات المعمارية العالمية، فكيف نقرأ الأبراج التي غزت بيروت فجأة؟ وماذا حلّ ببيوت المدينة ذات الأقواس الثلاثة؟ وكيف نستجيب كمعماريين ومخططين اليوم لآثار الحروب في مدننا؟ كيف يكون الإعمار إعمارا حقيقيا للإنسان لا استغلالا للدمار؟
هذا كتاب هامّ وموجع في آن، خاصة حين يتنبه القارئ أن بيروت وحلب والقدس ومدنا عربية أخرى لم تعد كما كانت حين نشر هذا الكتاب قبل عشرة أعوام. لكنّ النظرة المستقبلية، والحرص على التأكيد على القيم التي تحتاجها العمارة في كل الظروف والأزمان هما ما يجعلان هذا الكتاب ذا أثر مستمر، ويزيد هذا الأثر وضوحا بتتبع المقال الذي يسلط الضوء على تعليم العمارة في الوطن العربي، فالاشكاليات التي يطرحها فياض هي ما نواجهه اليوم كأكاديميين معماريين لا زالوا مضطرين لتدريس العمارة والتخطيط ضمن كليات أخرى كالهندسة والفنون دون القدرة على الانفراد بالعمارة وتطويرها كعلم وفن في حد ذاته، بالاستفادة من العلوم والمجالات الأخرى، وتوجيهاته في نظري قادرة على صنع علامة فارقة في تدريس العمارة والتخطيط في عالمنا العربي.