يمثل هذا البحث صياغة نظرية مكثفة لأطروحات ودراسات تطبيقية تنامت عبر سنوات عديدة من الاكتناه الدائب لطبيعة الشعر في أبعاده المختلفة بدءاً من الهاجس الإيقاعي المبهم الذي يصف كثير من الشعراء تشكله الهلامي في النفس قبل انبثاق القصيدة لغة، وانتهاءً بالرؤيا التي ينبع منها ويفيض بها، والهواجس الأساسية التي يجلوها في موقف الإنسان من العالم، والمجتمع، والطبيعة والماوراء.
وتضرب جذور البحث في منابع متباينة متعددة ثقافياً ومن حيث مجالات المعرفة التي تنتمي إليها. وهو يوحّد، على مستوى تكوينه، بين معارف كلاسيكية مؤسسة ومعارف صاغتها الدراسات الحديثة في العالم في ميادين عديدة. لكنه، في النهاية، تجسيد لرؤية شخصية للشعرية، وطرح لنظرية تتجاوز الصياغات المطروحة الآن في هذا المجال محاولة أن توفِّر لنفسها أعلى درجة ممكنة من التماسك والتناسق
واحد من ألمع النقاد والباحثين وأعمقهم تأثيرا في الدراسات النقدية. ولِدَ في مدينة صافيتا في جبال الساحل السوري عام 1942م وقد وصف بأنه أحدث ثورة جذرية في النقد العربي والثقافة العربية،, واحتفل بأبحاثه الدارسون داخل العالم العربي وفي الغرب وجامعاته، وكتبت عنه عشرات الأبحاث والكتب والأطروحات الجامعية. وقد فاز بعدد من أرفع الجوائز ومنح البحث العلمي في العالم العربي والغرب. وهو يشغل منصب أستاذ كرسي العربية وآدابها (بروفسور) في جامعة لندن منذ عام 1992، بعد أن عمل باحثا وأستاذا في جامعات أكسفورد وبنسلفانيا وكاليفورنيا (بيركلي) وكولومبيا (نيويورك)، واليرموك وصنعا
كيف تتحولُ اللغةُ إلى شعرٍ، وكيف تخلقُ مسافات التوتر هذهِ الشعرية التي تتجلى في كل شيءٍ يجعلُ الأشياء تغتربُ عن نفسها وعنّا وعن العالم؟ وكيف تحولُ هذهِ اللغةُ جسد العالم إلى جسدٍ آخر، رسمٍ آخر فاتن، عبرَ نزعِ الصورةِ المألوفةِ منه وحشرهِ في قالبٍ يهبهُ شاعريتهُ ويفقده صورته الأولى ويعبثُ بالكلمات المتاشبكةِ، يفرقُ بينها، يمزجُ الضدينِ، يكسرُ المسافاتِ ويخلقها وعبر هذه التي يسميها أبو ديب "الفجوة" يفجرُ النصَ، يقلبُ القواعدَ ويخلق ما يسميه الجرجاني وبعده بارت "بالهزة الأدبية" الهزةُ التي لا تشبهُ لذة النص العادي الذي يقول لنا ما نعرفه كما يقول بارت، "هزةٌ" لا يستطيع الناقد أن يمس بنيتها، تبقى دومًا عصية، متمردة، خارج السيطرة! وكيفَ يربكُ الفنانُ لغتنا، يعيدُ خلق العالمِ، يشقُ طريقًا طويلًا بين ما نعرفه وما لا نعرفهُ، بين القريب البعيد كما عند الصوفي المعذبِ بتجربتهِ الغضةِ، كيف يمزقُ هذهِ المألوفية ويتعامل مع عذريةِ اللغةِ ويعيد اكتشاف الكلمات لأول مرة، حتى يقول شيئًا عاديًا لكنهُ شعري، يثورُ أفكارنا ويجعلنا نغوصُ في صورةِ العالم التي لم نشعر بها بعد، يجبرنا على أن نعيش صدمة المسافة بين ما كنا نعرفه، وبين ما يكشفه هو لنا بلغتهِ. __ كتابٌ فاتن، ثقيلٌ قليلًا لكنه عذب، يجعلك ترغب بشدة في القبض على جسد هذه اللغة الهيولي الأول السحري والذي يعرفُ كيف يفلتُ من قبضتك! __ ♥️♥️