الرواية التي تأخرت عن الصدور رغم أن الكاتب فرغ من كتابتها منذ سنوات وقدّم عليها مجموعاته الشعرية وروايته "ملائكة لافران" ، تتناول العشرية السوداء التي مرّت بها الجزائر في التسعينات ، حيث تتناول تفاصيل شاب تعصف به الأحداث ويتورط مع الجماعات المسلحة ليعيش حالة من التيه والضياع ، إسماعيل يبرير يقدّم نموذجا آخر غير المثقف والسياسي ورجل الأمن ، من خلال الشاب الذي يمثل السواد الأعظم من الجزائريين، فهو إنسان يعيش على الهامش ولا يملك أفكاراً محددة سوى رغبته في الحياة ، الرواية تطرح الكثير من الأفكار بجرأة على غرار رفض بعض أبطال الرواية قوانين المصالحة التي أوقفت دوامة التقتيل في البلاد ، تفاصيل الرواية تتنامى من خلال قصة حب البطل إدريس الذي لا يملك أي أفق والذي يخشى من عصف الجماعات المسلحة التي حان ثقتها ، ويخشى من أجهزة الأمن التي قد تكتشف أمره ، وفتاته مجهولة الإسم ، تلك القصة تنزلق إلى الهاوية تدريجياً .
هي الجزائر في عشريتها السوداء جراح غائرة و تيه في غياهب الإستبداد و الحرب الأهلية التي كان خاسرها الأول و الأخير هو المواطن الجزائري وحده حتي يكاد يفقد الإحساس بكل شئ و أي شئ من شدة البرد و الزمهرير
باردة كأنثى هذا العنوان أول ما يلفت الإنتباه إلى رواية قصيرة لا تتعدى صفحاتها 126 ص . بل تتأكد قدرته أثناء قراءة الرواية بما يجعلنا نتأكد أن لا كلمة تزيد عن الحاجة في النص ، كل شيء مرتب وفي مكانه . إنه أول عمل أقرأه لإسماعيل يبرير وهو عمل رائع فعلا في لغته و فكرته الرئيسية . تبدأ القصة مع أحد أبناء مدينة الجلفة فإدريس الذي يرمز إلى شباب الوطن في تلك الحقبة محكوم عليه بالهزائم والأحزان ، شباب شردته الحرب الاهلية ونزعت منه كل حلم بالحياة . يمر إدريس بمرحلة صعبة في سن مراهقته مشتتا بين موالات الإرهابيين وطموحاته . ولست أبالغ إن قلت أن لهذه الشخصية ذات النظرة السوداوية طموحا . فرغم الهزائم و الخيبات المتعاقبة استطعت أن أجد قبسا من نور بل إنتصارا لهذا البطل الجريح . فانتصار القيم ف هو أهم انتصار وانتصار المحبة هو أهم ما في الحياة. إذ نرى خلال مسيرة إدريس أنه دعي ليكون جنديا وعميلا للمتمردين والجهاديين في فترة التسعينيات ولكن حبه للحياة واتباعه حلم المراهقة والإنسانية الكامنة فيه جعلته ينفر من هذه التوجهات الوحشية والتي قضت على أعز ما يملك . زوج وردية جارتهم المحبوبة ثم خاله يحيى الذي قتله الإرهاب والذي سيرافقه كملاك حارس حتى نهاية القصة ترسم له خطا متعرجا في مسيرته فنراه يتعثر مرة تلو الأخرى وهنا تبدأ أول خيباته . أما المرحلة الثانية من الرواية والتي أراها الأهم هي انه عاش تجربة إنسانية في أعلى مراحلها ، فالحب جعل منه عاشقا ثم حالما وبعد فترة سيصبح متشردا يتشبث بأهداب الحياة بما تغدقه عليه عشيقته من حنان ثم ينقلب كل ذلك إلى حسرة وأسف . ألم لن يشفى منه إدريس حتى تشارف القصة على نهايتها . العودة إلى الاصل في الرواية هي العودة إلى الذاكرة . الروائي نجح في أكثر من موضع في الرواية رغم قصرها في إبرازه للصراع السياسي والإجتماعي السائد في مطلع القرن الواحد والعشرون . صراع تجسد في شخصية فريدة احتوت بداخلها أهم الصراعات في المجتمع الجزائري أنذاك ولكنه في الأخير يقرر أي طريق سيسلك إذ يقول على لسان الراوي في الصفحات الأخيرة من نهاية القصة " ليس أمامي سوى أن أواصل صراعي وبقائي، داخلي رضا كبير دون سبب وحقد أقاومه تجاه الكثيرين " شخصية إدريس في مسار الرواية تتطور باستمرار واضطراد مع الاحداث بل ونضطر لمشاركتها أحزانها وخيباتها وتلك الدموع التي أبت أن تنحدر على خديه رغم المآسي والنكبات وجدت خيال قارئ تصورها تبكي وتنتحب على الواقع الذي نشهده كل يوم من تاريخ ولادتنا وليس أروع ولا أعمق مما قال إدريس لنختم به مقالنا وهو يقرر مصيره وذاته المتشردة " أنا أنتمي إلى يحيى الذي قتل لأنه صامت، لا أنتمي إلى أبي الحسن ولا إلى هذا الرئيس وجنرالاته. أنتمي إلى الأرض التي يعيش عليها البروق وليس إلى الوطن الموثق بالورق "
يقول محمود درويش : أنت منذ الان غيرك أن نكون ودودين مع من يكرهوننا ، وقساة على من يحبوننا تلك هي دونية المتعالي وغطرسة الوضيع ! أيها الماضي لاتغيرنا ، كلما ابتعدنا عنك أيها المستقبل : لا تسألنا : من أنتم ؟ وماذا تريدون مني ؟ فنحن أيضا لا تعرف . أيها الحاضر لاتحملنا قليلا ، فنحن سوى عابري سبيل ثقلاء الظل !