أدّت الثورة التونسيّة، من ضمن تداعياتها الأخرى، إلى نوع من القطع مع المركزيّة الدينيّة ودولنة الدّين، وجاء الدستور الجديد مكرّساً لحريّة الضمير استجابة لحاجة باتت ملحّة في المجتمع، حيث بات كلّ تونسي حرّ الكيان في الانتماء للمدرسة العقائديّة والمذهبيّة التي يختارها. وبانهيار الوصاية الدينية للدّولة على المجتمع وضمائر التونسيّين، برزت ثقافات دينيّة جديدة تعبّر من خلالها فئات من المجتمع على مقاربات أخرى للمشغل الديني وقضاياه. وأدّى انفجار المكبوت الدّيني إلى انفلات واضطراب في مجالات الشّأن الديني والإعلامي والثقافي كانت نتيجته حدوث تصادم بين المجالين الإعلامي والثّقافي من جهة والمجال الدّيني من جهة أخرى. وفي هذا الخضمّ، تطوّرت في السياق التونسي، وهو سياق غير مستقلّ بأيّ حال عن السياقات السياسيّة الإقليميّة والدوليّة، أشكال تنظّم ديني خارج إطار رقابة الدولة ودون انتظام معنوي ضمن المنظومة المدنيّة، تستمدّ مشروعيّتها مباشرة ممّا تعدّه سلطة إلهيّة، أهمّها ما اصطلح على تسميته ظاهرة السلفيّة الجهاديّة. وفي ظلّ انفلات الساحة الدينيّة وما مثّله ذلك من مخاطر الجنوح للعنف وتهديد الأمن والتمرّد على القانون، تشكّلت في بداية سنة 2013 وحدة بحث صلب المعهد التونسي للدّراسات الاستراتيجيّة تولّت دراسة هذه الظاهرة وضمّت ثلّة من الباحثين الشبّان من اختصاصات مختلفة قامت بجملة من البحوث كانت حصيلتها هذا الكتاب الذي نقدّمه للجمهور العريض. إنّه حصيلة بحوث من منظورات علميّة مختلفة دامت لسنة ونصف وأنجزت فيها وحدة البحث حول السلفيّة الجهاديّة أعمالاً بدأت بإنشاء قاعدة معلومات حول الظاهرة قامت على تجميع أدبيّات التيّار السلفي الجهادي المكتوبة والمسموعة والمرئيّة بغية استكشاف الإطار الفكري الذي تمتح منه الظاهرة نسغها الإيديولوجي. وقد صاحب هذه الفترة نقاشات عميقة مع بعض منظوري التيّار بهدف التعرّف ميدانيّاً على أنشطتهم وكيفيّة تنزيل أفكارهم في الواقع المحلّي. إلاّ أنّ الأحداث التي شهدتها البلاد من اغتيالات سياسيّة وعمليّات إرهابيّة ثبت لدى أجهزة الدولة ضلوع تنظيمات جهاديّة فيها (تنظيم أنصار الشريعة وكتيبة عقبة بن نافع التابعة لتنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي أساساً) أدّى إلى بروز مصاعب جمّة في التواصل مع الظاهرة، وهي الصعوبات التي تفاقمت بالخصوص بُعَيْد انتهاء مرحلة الاستكشاف ومرور وحدة البحث إلى مرحلة العمل الميداني نظراً إلى ما كان يحفّ الأمر من مخاطر أمنيّة وعزوف منظوري التيّار عموماً إلى التخفّي أو الامتناع عن التواصل وإن كان لغرض علمي بحت.
يهتم هذا الكتاب بالسلفية الجهادية في تونس، وهو يتضمن مجموعة من الأبحاث: "الثابت والمتحول في مسيرة التيار السلفي الجهادي في تونس" (طارق الكحلاوي)، و"السلفية الجهادية في تونس بعد الثورة وفشل تجربة الإنتظام" (سامي براهم)، و"في العلاقة بين أهم الفاعلين الجماعيين وتنظيم أنصار الشريعة في تونس" (عادل بن عبد الله)، و"من أجل مقاربة نفسية إجتماعية للظاهرة السلفية في تونس" (محمد الحج سالم)، و"دراسة ميدانية للظاهرة السلفية في حي شعبي" (معتز الفطناسي)، و"الشباب الجهادي في دوار هيشر: دراسة حالة اثنوغرافية" (جهاد الحج سالم)، و"عامل العصابية في الشخصية السلفية في علاقته مع بعض المتغيرات" (العربي النفاتي) وأخيرا "السلفي الجهادي في تونس" (ماهر الزغلامي).
عموما الأبحاث الأهم في هذا الكتاب هي المتعلقة بالجوانب النفسية التحليلية أو تلك المرتكزة على دراسات ميدانية، من حيث المضمون والمنهجية العلمية. على ضوء ذلك تكتسي الأبحاث الثلاث الأولى بعدا آخر، فهي تعبير على رؤية ما يمكن أن نسميه بالإنتلجنتسيا الاسلاموية للسلفية الجهادية، وأهميتها ليست في ما تقدمه من تحليل بقدر ما هي تعبير على هواجس (الخوف من التلبيس والإقصاء، التراجع عن الحق في التنظم) يجب أخذها في الإعتبار إذا اردنا عزل الإرهاب عبر إتفاق يشمل كل الفاعلين السياسيين.
رصدت بعض الأخطاء، وقد كان أكثرها في الأبحاث الأولى مثلما كان متوقعا: * نعت النظام الأسدي بالشمولي ص15، وإن كان من المتفق على نعته بالاجرام والقمع، فإن النعت المستعمل مبالغ فيه * إعتبار الفرق بين إرهابيي ما قبل الثورة وما بعدها "كمياً لا نوعيا" ص18، وهو ما تفنده الصفحات اللاحقة (الهجوم على الجيش والشرطة مثلا) * التوصيات ص19، والمشكلة هنا خلل منهجي هو عدم وجود كل العوامل في الدراسة الإستراتيجية للقيام بالتوصيات، وقد يعود ذلك إلى ضعف أو إنعدام تكوين السيد طارق الكحلاوي في ذلك. * رد تشنج التيار السلفي ص 24 منذ الأيام الأولى للثورة إلى "توجه لائكي متشدد"، وهذا أقرب إلى التصريح المؤدلج. ويعود نفس التفكير في الصفحة الموالية "إلتزام حركة النهضة بتحييد المساجد" * الحديث ص 31 عن "الطاقة الإيجابية" للسلفي الجهادي، في حين أن تلك الطاقة عدمية * الحديث ص 63 عن "التأمين الدعائي" كمكون من الخطة السلفية، وقد سبق ربط التطرف السلفي بتغييبه عن الإعلام! * نقد الصدام بين القوى التقدمية والدين، وعدم الإستفادة من تجربة لاهوت التحرير، في حين أن هذا اللاهوت لم يكن ممكنا إلا بعد إصلاح داخلي مهم جدا للكنيسة في المجمع الفاتيكاني الثاني. * بعض الخلط بين العلمانية والعلمانية اليعقوبية ص 130-131 * الحديث على سايكس بيكو في السياق التونسي ص 139
يجدر الإشارة في النهاية إلى بعض النقاط المهمة في الأبحاث الأخيرة وخاصة الفراغ الذي تركته الدولة وعنف المؤسسة الأمنية، كمحفزات للإرهاب. في المجمل، ينصح بقراءة هذا الكتاب للأسباب المذكورة أعلاه ولكثرة الدجل اليومي والشعوذة الإعلامية في التعاطي مع ضاهرة السلفية الجهادية في تونس.