البداية الحقيقية لعلاج أي مرض تكمن في التعرف عليه والانتباه إلى وجوده ومعرفة مكانه ومدى انتشاره داخل الجسم. لكن تخيل لو أن مريضا قرر ألا يعترف بوجود المرض... تخيل لو أن مريضا هاجم الطبيب الذي نبهه للمشكلة واعتبره طرفا فيها وحمّله مسؤولية تنغيص حياته بتحذيره من احتمالية وجود المرض وتعكير صفوه بذلك التنبيه والتحذير... تخيل لو أنه رفض الانتباه وقرر أن يدس رأسه في الرمال وأبى أن يسعى لاكتشاف حقيقة إصابته وبالتالي فقد فرصة علاجه أو استئصاله... هنا مكمن الخطورة الحقيقية التي تتضاعف بدهاء هذا المرض العضال وتخفيه لفترة كافية دون أن يشعر به المريض المسكين الذي ربما لا ينتبه لوجوده إلا بعد أن يكون الأوان قد فات، وتمكن المرض من الجسم وصعب استئصاله أو القضاء عليه.
إن أمراض العقول والقلوب والمشاعر والأفكار لا تقل خطورة عن أمراض الأبدان، وكثيرا ما يكون العلاج فقط بعد أن يتعرف المريض على الخلل = أن يقلع عن ذلك السلوك، وأن ينتزع نفسه من تلك النمطية التي وقع أسيرا لها دون أن يشعر، وإن ذكر النماذج السلوكية المرفوضة والتدقيق في أنماطها وتفصيل أشكالها المتكررة يعد بداية التعرف على مواطن الداء ومن ثم علاجها.
وهذا ما حاول الدكتور محمد علي يوسف في كتابه الجديد "أنماط" أن يقوم به... ستجد بين دفتي هذا الكتاب أنماطا فكرية وسلوكية وأخلاقية وقلبية وعقلية جُلها موجود ومنتشر بشكل ملحوظ ومتكرر، ربما تجد بعض هذه الانماط نادرة في نظرك، وربما ترى أنك لم تلتق بها لكن ثق أنها موجودة، ولعلك تلاقيها يوما ما فتحسن التعامل معها، وربما ترى نفسك عبر مرآة هذا الكتاب بصورة جديدة مختلفة وبغير رتوش ولا أدوات تجميل فتلاحظ أن ثمة مشكلة بحاجة إلى حل أو خلل بحاجة إلى تصحيح، ففي النهاية أنا وأنت بشر، والبشر أشكال وألوان ومعادن وأنواع وأنماط.
في عام 2015 كنت أذهب إلى #معرض_القاهرة_الدولي_للكتاب كالمجذوبة ألهث وراء أي حفل توقيع وأشتري الكتاب وأحصل على توقع الكاتب بلهفة، وكأنني هكذا حصلت على كنز ثمين، على الرغم من أنني لا أعرف عما يدور الكتاب ولا من هذا الكاتب أصلاً؟! كان هذا الكتاب أحد محصلات هذه الفترة وقد اشتريته وحصلت على توقيع كاتبه وأنا أظن أنه رواية أصلاً :D وقد ظل الكتاب مركوناً على أرفف المكتبة سنوات عديدة حتى حصل على دوره الكريم في القراءة أخيراً؛ لأفاجئ أنه ليس رواية وإنما كتاب أشبه بكتب التنمية البشرية ولكن من وجهة دينية إسلامية، حيث يدور عن أنماط البشر غير المقبولة في المجتمع لم أستفد كثيراً من الكتاب، ليس لعوار به، ولكن لأن ما تطرق إليه من مواضيع ليس جديداً علي، وإن أعجبتني اللغة والأسلوب، وعلى الرغم من أن الجمهور المتوقع للكتاب هم أصحاب الثقافة الدينية المبتدئة في ظني، وهم عادة من لم يعتادوا على قراءة الكتب الكبيرة؛ فإن حجم الكتاب غير مناسب تماماً لهذه الفئة، حيث تزيد عدد صفحاته عن 350 صفحة، وكان يمكن خفض هذا الكم من الصفحات، حيث أن هناك العديد من الأنماط المكررة، والمقالات التي تدور حول نفس النقطة ولكن بأسلوب وكلمات مختلفة، مما يجعل الملل يتسرب إلى القارئ وفي المطلق هو كتاب للاطلاع مرة واحدة، لا أعتقد أن من يقرأه مرة سيكون في حاجة لمراجعته مرة أخرى، أو يحمله الشوق لمطالعته ثانية!
الكتاب مرآة انعكست فيها أشكال شخصيات حولنا وفينا وفي كل مكان .. لغة رصينة وأسلوب راق لا يخلو من لمحة سخرية .. لم يمنع الكاتب نفسه من استخدام بعض المسميات المتعارف عليها في واقعنا المعاصر فتجد مثلا المطبلاتي والمتلصم والملقاط وغيرها من الشخصيات التي أجاد الكاتب وصفها .. أسلوب رائع ووصف جميل جعلني أنتهي من الكتاب في جلستين فقط
في هذا الكتاب يعرض لنا المؤلف كل ما يخطر في البال من الأنماط السلبية للناس ويضعها تحت مجهر الدين ويحللها وفقاً له. عرض لنا عشرات النماذج السلبية مع إيراد أمثلة لها وتعريفات وتحليلات وأسباب وحلول حسبما ورد في الشرع والعرف.
أحببت الكتاب جداً واستمتعت به وحللت شخصيتي وفقاً له واكتشفت وجود بعض هذه الانماط فيّ مما حدا بي للانتباه لها فمحاولة حلها بإذن الله.
شعرت في بعض الأوقات أن الكتاب كان سوداوياً بعض الشيء نظراً لتناوله السلبي فقط من النماذج، غير أن هذا الشعور كان سريعاً ما يتبدد نظراً لأهمية ما أقرأ ولمساس المحتوى بشخصية كل منا، ولتيقني بأن المحتوى ما عُرض إلا لينبه القارئ ويعينه على ملاحظة هذه الأنماط في حياته وحياة من حوله والتعامل معها بالشكل الأمثل.
كان أسلوب الكتاب فصيحاً وجميلاً، وكان على طوله يقرأ بسرعة ودون عناء. أنصح بقراءته لأهمية ما فيه كوننا نرى هذه النماذج أمامنا كل يوم وفي كل بيت، فعسى أن ندرك الخطأ فنسعى لإصلاحه ولو يسيراً.
الكتاب يُقرأ مرة و بعد كده تفتح الفهرس و تعلم عالانماط اللي معلمه معاك في نمط بيكون انت في اوقات في نمط بيكون حد من أهلك او اصحابك و مش عارف تتعامل معاه .. الكتاب فريد من نوعه و انتقاداته واقعيه بشكل مريع..