فإن للسُّنة منزلة عظمى في الدين، إذ هي في التشريع تلي الكتاب الكريم، وبها يعبد المسلمون ربهم، ومنها يستقون تعاليم دينهم، وإليها يتحاكمون، وبدونها لا يُدركون دقائق القرآن ولا يفهمون، فإنها خصصت العام، وأضافت أحكام، وأوضحت المُبهم، ودفعت ما يتوهم، وقيدت المطلق، وبينت المُجمل، وهي إحدى شرطي قبول الأعمال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ)، لذا فقد تكفل الله تعالى لعباده حفظها إلى يوم الدين، فقيض لذلك رجالًا من خيرة عُلماء المسلمين وأئمتهم الذين اشتقوا لأنفسهم اسمًا من اسمها، فنفوا عنها اختلاق الكذابين وتحريف المُبتدعين ووهم الناسين، حتى كان ارتحالهم في طلبها ودقتهم في تناقلها عبر الأجيال بأخذها من الثقات عن الثقات وحرصهم على حفظها في الصدور قبل ضبطها في الصُحف سبيلًا لعصمة المُتمسكين بها من البدع والفتن والشرور
هذه صفحات بيَنت كيف حُفظت السُّنة - جملةً وتفصيلًا - بالأدلة المادية التاريخية والعقلية فضلًا عن الشرعية النقلية، مساهمةً في دفع شبهات المُشككين والطاعنين فيها، وهؤلاء الذين أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم عنهم الذين يقولون: (عليكم بهذا القرآن، فما وجدتم فيه من حلال فأحلوه، وما وجدتم فيه من حرام فحرموه)، وما طعنوا فيها إلا لبغضٍ وحقدٍ واستكبارٍ في نفوسهم، كما قال أبو عثمان الصابوني رحمه الله: (ما ترك أحد شيئًا من السُّنة إلا لكبر في نفسه)، وفي مقدمة هذا البحث فصلٌ في تعظيم الصحابة والسلف لرسول الله صلى الله عليه وسلم، إذ تعظيم السُّنة من تعظيم صاحبها، والإيمان بحفظها وثبوتها في الجملة أدنى مراتب توقيره وتعزيره
قاضي سابق، ومحاضر في القانون والاقتصاد. حاصل على الدكتوراه في فلسفة القانون من كلية الحقوق، جامعة المنصورة برسالة حول (حُجية وسائل الاتصال الحديثة في الإثبات الجنائي، دراسة مقارنة) (٢٠١٨)، ودبلوم الفلسفة الإسلامية والغربية من كلية الآداب بجامعة القاهرة (٢٠١٧)، والماجستير في الاقتصاد، المعهد العالي للدراسات الإسلامية بالقاهرة، شعبة بنوك إسلامية برسالة تحت عنوان (المُؤشرات المالية الإسلامية، دراسة تطبيقية) (٢٠١٦)، ودبلوم الأنثروبولوجي من كلية البحوث والدراسات الإفريقية بجامعة القاهرة (٢٠١٦)، ودبلوم الدراسات الإسلامية، من المعهد العالي للدراسات الإسلامية بالقاهرة (٢٠١٢)، والماجستير في القانون الخاص من كلية الحقوق بجامعة المنصورة (٢٠٠٧)، وليسانس حقوق، من كلية الحقوق بجامعة المنصورة (١٩٩٩).
صلى الله عليكَ يا سيدي يا رسول الله.. اللهم اجعل لنا من هذا الإرث النبوي أوفى وأجزل نصيب..
الآن يا عمر -عن حراسة السنة-، كتيب من 135 من القطع الصغير ساق فيه مؤلفه -القاضي المصري الشاب محمد وفيق زين العابدين- جزءا من جهود علماء الأمة المشتغلين بالحديث والذابّين عن سنة أبي القاسم صلى الله عليه وآله وسلم الحرّاس لميراث النبوة، وإنما حاول أن يجمع غيضا من فيض جزاه الله خيرا.
وفي ذلك عبرة لمن أراد الله أن ينوّر قلبه ويهديه سواء السبيل، وفي ذلك بلغة لمن أراد أن يقبس من هذا النور والمَعين، وأن يقدر لهؤلاء الجبال قدرهم العظيم..
وجدتُ الكتاب ليس موجها لأولئك المشككين بحجية السنة النبوية المطهرة، إنما هو نور على نور لمن استقرّ في قلبه النور. لذلك فهو لم يتطرق للمتقدمين وحسب، وإنما أتى على بعض جهود المتأخرين.
كتابُ ماتع ، يتسنّى لِعامة الناس قراءته وفهمه والإستمتاع بما فيه من أخبارٍ عن السادةِ الأولين ، الصحابة والتابعين وأشرافِ المُستنِّين بسُنة نبينا الكريم ، ويعرفوا واجبَ تعظيم النبي ﷺ وتوقيرِهِ وتعزيرِه ، وكيف كان صحابته ﷺ يُوقّروه ويُعظّموه ، وكيف سار التابعين وأكثر أعلام الأمة على هذا النهج العظيم .. ويُبيّن لماذا حُفظت السُّنة ، وكيف دُوِّنت وحُفِظت وكيف وصلت إلينا .. ويُبين القدر العظيم للمجهود الذي بذله أهل الحديث أنارَ الله وجوهَهم كي تصِل إلينا سُنّة حبيبنا ﷺ مُنقّاةً من كُل كذبٍ وافتاراءٍ على كلامِ النبي ﷺ من قِبَل الكذّابين والوضّاعين ..