في هذا العمل، الذي تضعه بين أيادي قرائها، جمعت دار أفاق نصين قديمين، نوعا ما، للعفيف، يعود الأول لبداية سبعينات القرن الذي مضى، والثاني إلى ثمانينات ذلك القرن، نشر الأول، في المرة الأولى عام 1972 كمقدمة لكتاب "نصوص حول الموقف من الدين" وهي نصوص مختارة من كتابات لينين، قام بترجمتها محمد كبة وقام العفيف الأخضر بمراجعة الترجمة وبكتابة مقدمة الكتاب تحت عنوان " من نقد السماء إلى نقد الأرض" ، وننشرها هنا لما تناولته من أفكار جريئة وما طرحته من أفكار قد تساعد على طرح المسائل التي تهمنا كما يجب أن تطرح
النص الثاني، للعفيف، الذي تطرحه دار آفاق، "الشعبوية الأصولية، من أين وإلى أين؟" ، نشر عام 1993 ضمن سلسلة "قضايا فكرية" ، من أجل تأصيل العقلانية والديمقراطية والإبداع، التي أشرف عليها محمود أمين العالم، وهو من كتاباته التي تعبر أحسن تعبير عن مستوى التناول للقضايا الفكرية التي تهم هذا العالم العربي الاسلامي... حيث أبدع، كمتشبع بتراث هذا العالم وكعارف بآخر إبداعات الفكر الإنساني، في تشريح المنظومة الأصولية وإرجاعها إلى أصولها المتطرفة..
نطرح هذا النص، والذي سبقه، مع مقدمة لحسونة المصباحي أرادها تحية للعفيف الأخضر، المثقف الذي يهوى ويحسن الانفصال عن "القطيع الكبير"..
العفيف الأخضر، مفكر تونسي مثير للجدل انقلب من أقصى اليسار إلى الليبرالية، ولد سنة 1934، بمدينة مكثر بتونس، وتوفي 27 يونيو 2013 بمدينة باريس.
تلقى تعليمه بجامع الزيتونة في الخمسينات، ثم بمدرسة الحقوق ليعمل بعد ذلك محاميا فيما بين 1957 و1961، وشارك في الدفاع عن صالح النجار الذي حكم بالإعدام بسبب تهمة محاولة اغتيال الحبيب بورقيبة. غادر البلاد بعد ذلك نحو الجزائر عقب استقلالها سنة 1962 وكان من المقربين للرئيس الجزائري أحمد بن بلة غادرها نحو باريس بعد انقلاب بومدين سنة 65 ثم نحو المشرق العربي ليقيم في بيروت، واختلط هناك بالعديد من الوجوه المثقفة والمسيسة العربية والفلسطينية خاصة. ثم عاد إلى فرنسا، وعاش هناك منذ عام 1979 حتّى وفاته إثر مرضٍ عُضال.
انضم في الخمسينات إلى الحزب الحر الدستوري الجديد، كما قام بترجمة بيان الحزب الشيوعي، وهو ما جعله يحظى بمكانة خاصة في أوساط اليسار الطلابي التونسي في السبعينات والثمانينات. غير أنه تحول إلى أحد دعاة الليبرالية منذ سقوط الكتلة الشرقية في مطلع التسعينات.
تأثر بكتابات عبد الرحمن الكواكبي وشبلي الشميل وطه حسين وقاسم أمين ولطفي السيد وسلامة موسى وأحمد أمين.
نحن هنا أمام كتاب عظيم الأهمية، لدرجة أنني أجد صعوبة عظيمة في تلخيص الكتاب، أو الإقتباس منه، فالكتاب كله يحتاج إلى الإقتباس، وكل حرف منه يحتاج إلى النقل، فالعفيف الأخضر هو مفكر وعقل عظيم، وهو أحد من وصلوا في تصنيفي إلى هرم القمة المعرفية في عالمنا العربي، ولذلك تبدو أهمية دراسة هذا الكتاب، وكتابة ريفيو عنه مهمة جداً، وهذا ما سأحاول فعله على قدر الإمكان.
يمكن تقسيم الكتاب إلى ثلاثة أجزاء، الجزء الأول يحتوي على مجموعة من المقالات التي تركز على فكرة نقد الإستبداد البيروقراطي والتسلط الرأسمالي بعد إنجاز مهمة نقد الدين في العالم الغير عربي، ففي مقالة " من نقد اللاهوت إلى نقد الإستبداد البيروقراطي" يقول : في العالم الماركسي اللينيني أستبدلت عصمة الكنيسة بعصمة الحزب البيروقراطي لواحد، أستبدلت المثالية الدينية بالأيدولوجيا المادية، وأستبدل المسيح بستالين، أما في العالم العربي فعلى عكس ذلك، أستغلت السلطة العربية بكافة أشكالها العسكرية والقومية وحتى النخب الستالينية والماركسية الدين ووظفته، ولم تنجز مهمة النقد كما يجب، فنقد الدين في المجتمع العربي مهمة ريدايكالية لم تبدأ بعد.
في الجزء الثاني من الكتاب يأخذنا الكاتب "العفيف الأخضر" في مرحلة تاريخية للتعرف على الحركات والثورات التاريخية القديمة التي واجهت الفكر الإسلامي التقليدي ودوله، والتي كانت حركات ثورية حقيقية ضد الإستبداد الإسلامي، وأفرزت مدارس نقدية حقيقية، وبدأ من فصل "صراع الطبقات في العصر العباسي" يتم إستعراض "الثورة الإسماعيلية والخرمية وثورة الزنوج"، والحقيقة أن هذا الجزء أثار شغفي للمزيد من القراءة حول هذه الحركات المثيرة للإهتمام، والتي أطالع فكرها بشكل مفصل ومعمق لأول مرة.
في الجزء الأخير والأهم في الكتاب، يستعرض الكاتب ( مسيرة أوروربا الغربية إلى الحداثة ) ، بشكل ممتع، وهو يبرز كيف إنتقلت هذه البقعة من الأرض من العقلية الخرافية إلى العقلية العلمانية، " فالدين لم يعد مرجعاً للعلم فحسب بل بات هو نفسه موضوعاً لدراسة علوم الحداثة ( التاريخ، الإنثروبولوجيا، السوسولوجيا، الأركيولوجيا، وأخيراً التحليل النفسي )، ثم يتحدث الكاتب ( لماذا لم تدخل الحداثة في العالم الإسلامي ؟!، وهل الفرصة ضاعت بسبب عدم إمكانية إقامة ثورة صناعية حقيقية لدخولنا عصر العولمة ؟!
في النهاية، ومع إعترافي بفشلي الذريع في تلخيص الكتاب، فكل ما يمكن قوله أن الكتاب مهم جداً في فهم الأزمة التي نعاني منها، والعفيف الأخضر ( فولتير العرب كما يلقب ) ، مفكر لا يحابي ولا يجامل، ولا يرضى بثقافة الترضية وأنصاف الحلول.
من نقد السماء إلى نقد الأرض" هذا ما قاله ماركس، وهو يتابع موجة نقد الدين في ألمانيا. فهيغل كتب "حياة يسوع"، وفيورباخ نقد المسيحية، كذلك فعل أوتوباور واليسار الهيغلي عموما. فقد توصل إلى قناعة بأن أساس الدين في الأرض، لهذا يجب نقد الأرض. وانطلاقا من هذه القاعدة ،المبنية على أساسِ منطقي،وواضح المعالم،من أن نقد الدين لا يزيد إلا التشويش،ولا يمكن للذي انطلق من هنا أن يحقق نتيجة لرسالته التي يرتضي توجيهها،لهذا كان كارل ماركس واضحا جدا،في تقديمه،نقدا للأرض حول الظروف التي تفرض التهميش والفقر والبطالة، والظروف التي تجعل الطبقات المسيطرة تسعى إلى استغلال الدين من أجل تشويه الصراع الطبقي. هذه الظروف هي التي تحتاج إلى نقد وتفكيك وتشخيص رصين، بالضبط من أجل وضع سياق يسمح برؤية صيرورة الصراع، وبالتالي يطرح البديل الذي يحقق مطالب الشعوب... بحيث يجب البدأ من نقد الوضع الاجتماعي والاقتصادي والسياسي والسلطة المسيطرة، ثم التدرج نهوضا إلى توعية البروليتاريا ،لتدعيمها للراديكالية التي يجب أن تطأ جميع الجوانب الحياتية ،من خلال النظر إلى الواقع المعاش،هذا بالضبط ما سعى إليه العفيف الأخضر من خلال تناوله للمسألة الدينية في الغرب حيث ساد المظهر على الجوهر،وتم استبدال المعبد بالمعمار،واعتبر ديكتاتورية البورجوازية المعاصرة''الاستهلاك'' استبدادية توتاليتارية من طراز رفيع،حيث نقلت رعاياها من عصور الموت جوعا إلى الموت ضجراً،واعتبر ان الجنة غير موجودة أما الجحيم فإننا نعيشه،اتفق مع قوله الأخير،في شقه الثاني ،إذ أن الشق الأول يجعل من قائله إلها على الأرض ومعرفته مطلقة بميكانيزمات الحياة والكون وماهويات الأشياء جميعا دون استثناء... واعمالا لقاعدة نقد الأرض:انتقل بدروه من نقد اللاهوت إلى نقد الاستبداد،حيث نجد أنه في العالم البيروقراطي ،الماركسي اللينيني،استُبدلت عصمة الكنيسة بعصمة الحزب البيرواقراطي الواحد،واستبدلت المثالية الدينية بالأيديولوجيا المادية البيرواقراطية،واستبدال المسيح بستالين،ثم وجهت رسالة تقول أنه علينا إذن لنكون معاصرين لعصرنا ،أن نمارس في نفس واحد نقد السماء الدينية ونقد الأرض الرأسمالية،نقد الاستسلام للثرات والامبريالية،نقد دور الافتاء ودور الصحافة،نقد المنابر،ونقد الاذاعات...الخ فمن خلال هذا الكتيب،نجد أن العفيف الأخضركان متسرعا في تناوله مجموعة من القضايا،وبالتالي كان متسرعا في مجموعة من الأحكام والتأويلات،والدراسات التي تحتاج الكثير من التمحيص والتدقيق كل على حدة،وهو ما يعاب عليه في هذا الكتاب ،رغم أنه يشير لمواضيع مهمة جدا والقاريء لماركس وانجلز لا يمكنه إلا أن يرى أن هذا الكتاب مجرد تكرار لما تم ايراده سابقا في كتبهم،باستثناء العرض الذي قدمه حول التاريخ العربي في العصر العباسي والاسماعيلية والأموية وثورة الزنج...
حماسية ماركسية واضحة في هذا الكتاب، إذ يبدو المحتوى وكأن صاحبه، قد ناهز اليقينية والركون إلي فكره بلا تخبط مستقبلي. لكن يذهب زمان ويحل آخر؛ ففي مرحلة ما، وبعد استنشاق قليل من هواء أوروبا الدرزي، وشيء من التجوال الليلي السريالي علي بلاطات باريس، ارتأى قلب البدلة الثورية، إلي ثياب الليبرالية القشيبة. مناقضا لكتابات سابقة، قيل فيها للبروليتاريا: حاربي الاستبداد لكن لا تسقطي في الليبرالية- لكن معذورة هي الأفكار!
لهذا بالضبط، لست من معجبي الإرتكان إلي الإيديولوجيات السياسية، واستلباس فكرها كقناعة ونظرة عامة للمجتمع، علاوة علي تلك الحماسية في الدفاع عنها فكريا و ميدانيا. لربما إن مجرد حصول انتقالية ظرفية أو زمكانية، قد تكفل بأن تعصف برزمة أفكارك، لتصبح إكس-أفكارك.
عموما، محتوى الكتاب جيد، ينطلق من الاستشهاد بأوروبا في نقدها للدين وأنظمتها السياسية وواقعها الاجتماعي، حتي أحدثت تغييرا نوعيا، علي عكس العالم العربي، الذي لم يحدث فيه المثل، فظلت شعوبه خانعة لقضائها وقدرها، كما ظل الدين محتفظا بقدسيته، مرادفا هذا -بطريقة ما- لخضوعها التاريخي للطغاة، علي أن الأول يفسر الثاني؛ الخضوع للسماء = خضوع لخلفاء السماء في الأرض.
براعة الطرح و التلخيص لافكار ماركس و انجلز و لينين حول الدين .. و نظرة عميقة للحركات الثورية في الدين الاسلامي , و اهم ما في المقدمة هو مقولة ماركس - نقد الدين هو اسا كل نقد -