من أمتع الكتب التى قرأتها حديثًا ، كتاب (كما يليق بصانع ساعاتٍ أعمى) للأديب الأستاذ/ أحمد الخيَّال .. إنَّ له قلمًا قادرٌ على أن يجعل القارىء يتعرَّف مذاق الألوان ، ويستنشق شذى الكلمات ، ويرى شكل الأصوات ! .. إبداعٌ متألِّق يمزج الفلسفة بالأدب بالميتافيزيقا مزيجًا فريدًا ، ليعزف مقطوعة موسيقية خارج حدود الممكن ، لا تتقيَّد بقوانين الزمن المعروفة ، ولا بزوايا المكان المألوفة .. يقول (جادامر) ، أشهر علماء الهرمينوطيقا: "إنَّ الوجود الممكن فهمه وإدراكه هو اللغة".أهـ .. فإذا أتينا إلى لُغة الأديب ، وجدنا أنَّ الحروف فيها تنسابُ انسيابًا سيَّالًا غير معتاد ، كأنما الماء العذب ينحدر من أنهاره ليبوح بسرِّه إلى مصبِّه فى البحار ، ووجدنا أنَّ التركيبات البلاغية تُنحَت فيها نحتًا مُدهشًا ، كأنما اللغة تُعادُ كتابة حروفها وصياغة قواعدها ، ووجدنا أنَّ التشبيهات الأدبيَّة تأخذ تراكيب لم تُألَف من قبل ،كأنما المعانى تُصاغ من معدنٍ لم يمسَّه الأدباء أو الشعراء ! .. فإذ بالقارىء يجد نفسه فى وجودٍ له قوانين فهم وإدراك تخالف كل المألوف فى وجوده ! .. فيعيد القراءة مرة بعد مرة ، فتتجدد حلاوة تذوق ذلك الوجود المُكتَشَف .. الكتاب يُعتبَر منظومة شعرية ملحميَّة فى سياقٍ أدبى .. فإن أتاها الناقدُ من جهة الأدب ، رآها شعرًا منظومًا .. وإن أتاها من جهة الشعر ، وجدها نثرًا مرقومًا .. وكأنَّ الكتاب يُشكِّل منظومة أدبية تأبى التشكيل فى قالبٍ نمطىِّ معتاد .. أ/ أحمد الخيَّال يَظهر تأثُّرُه باللغة الفرنسية واضحًا حدًا بين ثنايا مجموعته .. وهو تأثُّر يضيف إلى مضمون الكتاب ، وليس إضافة عليه ، لأنَّ العبارات الفرنسية مقتطفات من أغانى وأشعار ، تُدخل القارىء فى نفس الحالة التى يعايشها الكاتب وقت كتابة السطور .. أجمل ما فى الكتاب أنَّ أسلوب كاتبه يستحث القارىء المخضرم على طلب المزيد من الكلمات والعبارات والتشبيهات للاستمتاع بالمزيد من القراءة .. بالنسبة لى فأنا بعد مطالعة الكتاب وددتُ لو أنه كان أضعاف حجمه الحالى ، حتى أستمتع بالمزيد من أسلوب الأديب الرائع .. فلسفة العبث ، والفلسفة الوجودية ، ألوانهما تطغى على مجموعات الكتاب ، فى مزيجٍ فريد .. يقول المتخصصون أنَّ العِمارة هى فن تشكيل الفراغ .. والمعمار البنائى للكتاب يجيد بمهارة فائقة تشكيل فضاء الأدب بهاتين الفلسفتين ، مما يجعل له طابعًا خاصًّا فى الأعمال الأدبية المعاصرة .. طابع يقف على مساحةٍ وسطى بين المقبول والمرفوض فى الفكر المعاصِر .. إنه طابع لا يجيد قراءة شفرته وفك طلاسمه إلا أهل الفلسفة المخضرمين .. وكأنَّ الكتاب يضنُّ بما فيه على غير أهله .. :) وهذا أمرٌ قد يدفع الدوجماطيقيُّون من غير أهل الفلسفة بالشك والرَّيب والاتهام للكاتب .. فلا تحزن .. إنَّ الناسُ أعداء ما جهلوا ، وإن كانوا من العلماء .. :) الكتاب رائع بحقّ :) ويدفعنى إلى التساؤل عن موعد الأعمال القادمة لكاتبه صاحب القلم المتفرِّد حتى أسارع باقتناءها .. خالص مودتى وتحياتى لكَ أستاذ/ أحمد الخيَّال .. محمد صبحى
من عذاب اليقين ولد الثبات فأقتنصت لعنة الأبد .. صانع ساعات أعمى مصلوب بين تروس صدئة يعبأ أنينها المدى .. تردد بلا يأس وبلا أمل : - لا وقت للوقت .. ولا مسافات للبعد !