الـتقليـد الألمـانـي_ من أزمة الحلوليّة استطاع الرومانسيون استنتاج قراءة متجددة لإسبينوزا حيث اختفت صورة الملحد التقليديٌّة لتترك مكاناً لصورة مناقضة: «صورة الصُّوفي الَذي يسكر باللّه» (نوفاليس (Novalis)) وفي الوقت نفسه كانوا يقاربون حب الله حبا عقلياً من الكلمة كما وَردتْ في «إنجيل القِديس يوحناء، أَما بالنسبة لغوته (Geethe) (الذي اعتبر برومثيوس (Promethie) مناسبة حوار بين ليسنغ وجاكوبي) فقد عرف إسبينوزا بوصفه مؤلها مسيحياً، لقد صرنا إذن أبعد ما نكون عنْ شتائم الأرثوذكسية كما عن بـراهـيـن المتحررين المناهضة للمسيحية. لقد دخلت الإسبينوزية على مستوى واحد في ما للماورائيات من شرف، وقد عبر هيغل عن الخيار الذي يفرضُ على كلّ فليسوف بقوله: «أمّا الإسبينوزية، أو لا فلسفة على الإطلاق» .. لا يعني ذلك بكل الأَحوال وجوب البقاء في الإسبينوزية، فهذه نقطة انطلاق مفروضةٍ من خلال تأكيدها على الجوهر، لكن يجب ترك الأمر للجدل ليُفكَّر في هذا الجوهر بوصفه ذاتاً، أي كجوهر وهب حركة ذاتيَّة، أما عند إسبينوزا فقد ظل الجَوهرُ جامداً وفارغاً. ولذلك وبدل اتهامه بالإلحاد، يجب اتهامه بنفي الكونيَّة، إذ لا يقدم، بعد التأكيد على التوحد الإلهي الوسائل التي تبرر وجود العالم الفعلي المُتعدّد اعتبر هيغل الصفات (الإلهيَّة) مجرد وجهات نظر يقدمها العقل عن الجوهر الذي لا تمايز داخليّاً فيه، وقد أشار إلى كيفية تصحيح الجمود الإسبينوزي، إذ تفكر في الامتداد انطلاقاً من الفكر، أي في إدخال حركة الرَّوح وسط هذه القضية بعبارات أخرى، إن ما قدمه هيغل عبر تقديره النقدي للإسبينوزية لم يكن إلا تحديداً لفلسفته الخاصة(79). كان حضور إسبينوزا أزليّاً، وقد ظهر بأشكال متعددة في الفكر الألماني؛ عند شوبنهاور الذي أشاد بقوَّة في الصفحات الأولى من إصلاح العقل.. وعند ماركس، الذي قرأ عام 1841 والريشة بيده والرسائل، و«رسالة في اللاهوت والسياسة.. وعند نیتشه Nietzsche ) الذي كتب إلى Overbeck في 30 تموز/يوليو 1881 : «لدي سلف، وأي سلف!.. وفي العام نفسه طور نیتشه المفاهيم الكبرى التي أحيت بعد ذلك فلسفته، وقد أمكن بعد ذلك إظهار التقارب بين فكرة laetitia وفكرة ،إرادة الاقتدار»؛ بين الحب الإلهي والـحـب fati بين الضرورة وبين الـعـود الأبدي لذات النفس.