في يوميات قبعة راعي البقر يفتح الكاتب دفتره الشخصي على صراعٍ داخليٍّ مع الزمن والمعنى والذات.
اليوميات مزيجٌ من التأمُّلات، والذكريات، والنصوص النثريَّة، والأحلام، حيث تتجاور أصوات: يونج، وصمويل بيكيت، وبول أوستر، وهيرمان هِسَّه، وكافكا، وبدر الديب، ومحمد عناني، مع صدى تجارب حميمة وحقيقيَّة.
مِن صحو الفجر المبكِّر، ومن الحنين إلى ذكرى الأعزَّاء وصولًا إلى متعة الكتابة كملاذ، والتنقُّل بين الكتب والمفكّرين والفلاسفة، تتشكَّل هذه اليوميات بوصفها رحلةً في الهامش، حيث يصبح الروتين طقسًا، والكتابة عزاءً، والقراءة بحثًا عن حلولٍ لمشكلاتٍ مُؤرِّقة.
تصرُّ هذه اليوميات على الابتعاد عن الكتابة السائدة، فتتَّخذ من اليومي والعابر والهامشي، ومن الذكريات، والأحلام، وعلاقة مؤلِّفها بدنيا الكتب والأفكار مادَّةً لتأمُّل العالم تأمُّلًا أوسع، مستلهمًا في ذلك عبارة الشاعر الفرنسي هنري ميشو: “أكتبُ لأتصفَّح حياتي”.
انتهيت من واحد من أجمل الكتب التي قرأتها مؤخرًا... يوميات أحمد الزناتي بعنوان: قبعة راعي البقر. بداية هذه يوميات بالمعنى المباشر والحقيقي للكلمة، لا مجرد تسمية أو عنوان، وكتابة اليوميات لها شكل وسمات تميزها عن المذكرات والسيرة وما إلى ذلك. الكتاب مربك ومحير وممتع... طوال قراءة صفحات الكتاب وأنا أتصور أحمد الزناتي نفسه يحكي لي أو يقرأ لي المكتوب. صورته لم تفارق ذهني في أثناء الكتابة، على الرغم من إدراكي أنه ربما خلق ذاتًا بديلة يكتب بها ما يكتبه، لكن نبرة الصدق واضحة. الكاتب أخفى أمورًا كثيرة في يومياته، وهو نفسه يذكر هذا، ومع ذلك أفصح عن أمور أخرى، أقل لكنها دالة. العمل مليء بالحديث عن قراءاته والأفكار التي يفكر فيها، وأجزاء من حياته الشخصية، وعلى رأسها العلاقة بالوالد - رحمه الله - ورصد لحظات الوفاة، والعلاقة بالأم، كما تعج اليوميات بأحلامه. من البداية واضحة نية الكاتب نشر اليوميات، على الرغم من أنه ذكر أنه لا يريد نشرها إلا بعد وفاته، لكن هذا يتكرر كثيرًا مع الكتاب. فكرت في مداخل كثيرة يمكن التعاطي من خلالها مع هذه اليوميات الغريبة، المليئة باللا وعي ويونج والتأملات الماورائية والأحداث الخارقة نوعًا ما، وكل هذا على خلفية حديث لا ينتهي عن الكتب، ولم أجد مدخلًا أفضل مما سجله الكاتب في أحد يومياته: "لم أشكّ يومًا في الله، أو في اليوم الآخر، أو في الثواب والعقاب، بل كانت مشكلتي الحقيقية على الدوام مع القدر، ليس مع قبول أحكامه فقط، ولكن مع محاولة عقلي البائس لفك شفراته، نجحت مرة أو اثنتين في الخروج بنتيجة، كتبت رواية "لص اليمين" انطلاقًا من اللاوعي، وعثرت على إجابات أسئلة قديمة. القدر سر..." الكتاب تأمل في القدر، وفي مواضع مهمة كثيرة يحذف الكاتب عمدًا ما يريد قوله! إنه كاتب يتعامل مع الأسرار ويريد في الوقت نفسه نشرها، لكنه يفعل ذلك بصورة مشفرة عمدًا. يقول إنه لن ينشر اليوميات، ولا يمضي عامان حتى ينشرها، يبجل الأدب وفي مواضع أخرى كثيرة يقلل منه تمامًا. هذا الصراع المعروض طوال اليوميات - الذي ذكرني بصراع تولستوي النفسي في يومياته - يُعبِّر تعبيرًا صادقًا عما يعتمل في إنسان غير بسيط البتة، مكون من طبقات فوق طبقات فوق طبقات، واليوميات من أفضل أنواع الكتابة التي تتيح تصويرًا عميقًا للكاتب. طوال القراءة وأنا أقارن تلقائيًا بين شخصية الكاتب وشخصيتي، ويبدو أن هذا أهم ما في اليوميات، فإضاءة أعماق سحيقة في إنسان ما، تكشف تلقائيًا عن أعماق القاريء المتأمل، ويقارن، ويفكر، ويتأمل. كتاب رائع ومهم يستحق دراسة نقدية، لكني أكتفي هنا بالإشارة إلى أهميته من وجهة نظري المتواضعة. شكرًا لأحمد الزناتي، وشكرًا لتنمية على نشر الكتاب، ولي فقط ملحوظة بالنسبة للدار: عليها العناية بالمراجعة اللغوية للكتاب فقط وجدت مصادفة عدة أخطاء. التجربة في مجملها رائعة وثرية.