هل أتاك حديثُ غزّة؟… صرخةٌ في وجه العدم. فايز سرساوي لم يعش حرب الإبادة فقط، بل تقمّص أرواح الشهداء والجرحى والنازحين والثكالى، وفاقدي أطرافهم وأعضائهم، وأسرهم أو عددًا منهم. فايز سرساوي لا يرسم كفنانٍ وجد موضوعًا فائقًا أو صيدًا ثمينًا، بل كشهيدٍ أو جريحٍ فقد الكثير من أطرافه وأدوات رسمه، فتراب وطنه يرسم، وجرح خياله يحضر، وظلام هذه الوحوش الإبادية التي لا تعرف الرحمة ولا التسامح ولا الإنسانية يخيّم على لوحاته. فايز يرسم وكأنّ غزّة هي التي ترسم، أو كأنّ فلسطين هي التي تنشج بين يديه وتذرف دموع قرنٍ من الزمن، حزنًا على مصير أبنائها وأطفالها، وهي الأمّ الرؤوم التي لم تستطع حمايتهم، فأثّرت الحبيب دمًا قانيًا وحزنًا أسود. هذه الرسوم صرخةٌ في وجه العدم، تقول للفراغ إنّ الكون متواطئ، وإنّ العالم بلا أخلاق ولا قيم حين يتعلّق الأمر بالدم الفلسطيني، والبيت الفلسطيني، والعلم الفلسطيني. لكن روح فايز ترفض الإبادة والقدر والمحو، فتختزل أسرار غرفتها الداخلية وحزنها السرمدي، وتتجرّأ هذه الخطوط بالأسود والأبيض في أغلب الأوقات، وببعض الأحمر في مراتٍ نادرة، ويخترق الأزرق اللوحات قليلًا، كوميضٍ مسروق من الأمل. تكتب هذه الأعمال تاريخ المأساة بلغة اللون، وخطوط الضجيج، وجنون النار المُقبلة على الحياة والموت في لحظةٍ فارقة، لحظات لا تُقارن بلوحات الفنانين أو منحوتات الناجين الذين يملكون مساحةً للتأمل؛ فالفنان هنا كان أحد ضحايا الجريمة المروّعة على أهل فلسطين منذ البدء، وعلى قطاع غزّة منذ زمن تقسيم فلسطين، وصار صوته صرخةً للبشر، وللأديان، وللمشردين، وللمهجّرين. لا كلام يعلو على وجع خطوط فايز، وحبره الأسود، وغضبه الساكن والمكبوت في أعماق أرواح أسلافه، الذين يبصرون ما يجري وينفرون من ذلّ الموت الشنيع الذي اخترعه هولاكو العصر لتبرير وحشية الكيان برمّته. فايز فضح العالم، ورسم بقلب وطنٍ يبرق، وهو يطوي أجمل أبنائه وأطفاله في ترابه الحنون. فايز واحدٌ من الفنانين الذين لا يرسمون بحثًا عن مجدٍ فني أو نداءٍ مادي، لكنه يرسم صدى أعماقه. موسى حوامدة