راوٍ يعاني الأرق والذعر من انهيار العالم، مؤلف موسيقي عبقري يتحول إلى قاتل دموي في عصر النهضة، شخصيات حية وأخرى تمردت على صفحات الكتب، وكلب يستمع للموسيقى الكلاسيكية.. تُرى كيف يجمع ظلام الليل كل هؤلاء؟
في مغامرته الفنية الأكثر جرأة يصحبنا ولاء كمال في ليلتين مليئتين بالغرابة والدهشة، ليقدم لنا رؤيته للعالم والإنسان عبر ليلةٍ عجيبة يقضيها الراوي بمحطة وقود. بينما في زمنٍ آخر، وتحديداً في إيطاليا القرن السادس عشر، نعيش أحداث ليلةٍ أخرى دامية وذات آثار مروعة، ترويها لنا محاضر التحقيقات وشهادات من عاصروها، لنخوض مع صفحات الرواية وشخوصها مغامرة وجودية ونفسية مذهلة، ندرك خلالها أن الليل ليس فقط ما نعيشه.. ولكن ما يسكن بداخلنا.
ولاء كمال، كاتب وروائي ومترجم مصري. درس الترجمة والإعلام والإخراج السينمائي، وحصل على درجة الماجستير في الأدب العربي من الجامعة الأمريكية بالقاهرة. صدرت له عن الدار المصرية اللبنانية أربع روايات، وكتاب "أيامي مع كايروكي: حكاية جيل أراد أن يغير العالم". رُشحِت روايتاه "القداس الأخير" و"كوش كو" لجوائز أدبية محلية وإقليمية، كما صدرت له عدة كتب مترجمة. رواية "مادريجال الليل" هي أحدث أعماله الأدبية، صادرة عن الدار المصرية اللبنانية في يناير ٢٠٢٦.
ولاء كمال كاتب وروائي ومترجم مصري ولد بإنجلترا عام ١٩٨٤. درس الإعلام، والترجمة، والإخراج السينمائي، وحصل على درجة الماجستير في الأدب العربي من الجامعة الأمريكية بالقاهرة. فى عام ٢٠١٠ بدأ العمل على روايته الأولى” سكون“، لتنشر عام ٢٠١٧ وتلقى نجاحاً نقدياً كبيراً، وتصدر عنها عدة أوراق بحثية، بعدها نشر رواية الفانتازيا” سيد والعصابة“ عام ٢٠١٨، ثم كتابه ”أيامي مع كايروكي: حكاية جيل أراد أن يغير العالم“ عام ٢٠١٩، والذي يعد دراسة اجتماعية، نفسية، تاريخية، وفنية عن الجيل الذى ينتمى له الكاتب، وتم اختياره من قبل عدد من النقاد كأحد أفضل إصدارات العام. في نوفمبر ٢٠٢٠ صدرت روايته الثالثة "القداس الأخير" لتلقى نجاحاً كبيراً، حيث نفدت طبعتها الثانية قبل مرور شهرين على صدورها، وأصبحت أحد أقرب أعمال الكاتب للقراء. وصلت رواية القداس الأخير إلى القائمة القصيرة لجائزة ساويرس الثقافية - فرع شباب الأدباء. وفي عام ٢٠٢٤ صدرت له الرواية التاريخية الضخمة "كوش كو" التي تغطي أحداثها ٦٠ عاماً من تاريخ مصر في القرنين التاسع عشر والعشرين، لتصل بدورها إلى القائمة الطويلة لجائزة "القلم الذهبي" في دورتها الأولى، وتعد أوسع أعماله انتشاراً. في يناير ٢٠٢٦ صدرت روايته الخامسة "مادريجال الليل". قام ولاء بترجمة عدة كتب صدرت خلال الأعوام الأخيرة في مجالات: الدراسات الجيوسياسية، التنمية الذاتية، الإدارة، والسيرة الذاتية. جميع أعماله صادرة عن الدار المصرية اللبنانية بالقاهرة.
في هذه الرواية السيريالية شديدة الرهافة ستظل تسأل نفسك في خوف هل تتغذى الشياطين على قلوب المؤمنين؟ هل كانوا مؤمنون من الأساس أم هم أبناء الشيطان؟ هل التهم زحل ابنه؟ هل نخشى الكوابيس ام نبحث عنها؟ وماذا عن المادريجالات هل نستمتع بها أم ترعبنا صرخاتها؟ هل نبحث عن أنفسنا أم نهرب منها؟ الف (هل) تحيطك كدوامة تكاد تبتلعك، ستسأل نفسك مئات الأسئلة ولن تحصل سوى على إجابة واحدة…..يقينا واحدا..…في هذه الدنيا لا توجد إجابات.
أقدر أقول إن ولاء المرة دي اخدنا في رحلة ثقيلة وعميقة ومختلفة تماماً عن أي حاجة قريتها له قبل كدا. الرواية مش مجرد حكاية، دي بناء فني معقد بيعتمد على فكرة "تعدد الأصوات" (Madrigal) اللي بتجمع بين زمنين ليلة في محطة بنزين، وليلة دموية في إيطاليا القرن الـ 16. في الرواية البناء الموسيقي: فيه عبقرية في إزاي الكاتب قدر ينسج أصوات ونفوس كتير مستقلة ومختلفة في "هارموني" واحد غريب وممتع. كمان الأجواء في الرواية بتجمع بين "سحر" ليالي ألف ليلة وليلة وبين "وحشة" الوحدة، كأنك بتسمع مقطوعة موسيقية بتتحول فجأة لكابوس أو حلم سريالي. والعمق الإنساني في الرواية هنلاقي أن ولاء بيواجهنا بأسئلة "وجودية" صعبة عن الفن، الألم، والوفاء، من غير ما يديك إجابات مباشرة، بيسيبك أنت تدور عليها وسط السطور. الرواية دي محتاجة قارئ بيحب "التفاصيل" بجد ومستعد ينغمس في رحلة بحث عن المعنى وسط أصوات ومصائر متداخلة. عمل استثنائي بيثبت إن الأدب لسه قادر يدهشنا ببناء مختلف وفكر متجدد.
رواية رائعة تطرح العديد من الأسئلة التي يصعب الإجابة عليها ما الفطرة ؟ أهي سمة الملائكة أم الشياطين ؟ أي جيزوالدو نكون ؟ المبدع ، أم القاتل ، أم الشيطان ؟ هل من أمل في الخلاص رواية تدور في فلك عالمين لا رابط بينهما سوي تلك الأسئلة عالم دون كارلو جيزوالدو الموسيقي القاتل انتقاما لشرفه المدنس بكل ما يحمله هذا العالم من بشاعة و قسوة و إبداع و جنون و عالم بطل روايتنا و راوي أحداثها بكل ما يحمله هذا العالم من أرق و اضطراب و رغبة في التمرد علي النمطية و الركود بطل روايتنا كان مثل (قنديل العنابي) في رحلة ابن فطومة يرتحل بحثا عن الحقيقة ظنا منه أنه سيجد في سعيه الأمان و كذاك كان شديد الشبه بحي بن يقظان في اكتشافه للعالم من حوله و يشبهه أيضا في وحشته و عزلته هو أيضا سجين كما كانت (نوال السعداوي) و لكن الفرق ان سجنه كان بلا جدران و لا قضبان تحيط به ، سجنه كان ذاته و افكاره العوالم الموازية قد تكون مرآة لاكتشاف النفس بشكل اعمق و هو ما مر به بطلنا و لم يستطع ان يمر به دون جيزوالدو الذي تمزقت روحه ما بين ابداع الموسيقي و الشعور القاتل بالندم علي ما ارتكب من فظائع ، تهشمت صورته كانسان و ربما كان دليلا حيا علي أن البشر هم البشر ، سواء كانوا فنانين أم لا ، ربما ما ازعجني قليلا و اكرر قليلا فقط هو بعض التقريرية في الكتابة فيما يخص الجانب الإيطالي من الرواية و أعني جريمة القتل التي حدثت و كذلك شرح بعض التفاصيل الخاصة بالموسيقي التي كان يؤلفها الدون كارلو جيزوالدو ربما كان الشرح زائدا عن حاجتي كقارئة و محبة للموسيقي الكلاسيكية أيضا بخلاف ذلك الرواية من الجمال بحيث تترك في نفس كل من يقرأها أثرا لا يمكن محوه بسهولة
عزيزي الذي يجلس وحيدًا بالليل على طاولة محطة الوقود،
رأيتُ التيه في عينيك حين يتجسّد في جسد إنسان. كنتَ تمشي داخل فقاعة شفافة، ترى الناس ولا تلمسهم، تسمع الضجيج ولا يبلغك الصوت. وحدتك لم تكن غيابًا للآخرين، بل حضورًا خانقًا للأفكار، تلك التي تداهمك بلا رحمة وتُحكم قبضتها عليك.
حين انكشفت حقيقة اسمهان، لم أشعر بالدهشة فقط ولكن بالاختلال الذي فتح متاهة أوسع، وكأن الأرض انسحبت فجأة من تحت قدميك. أما الكلب فكان علامة أخرى على دورانك حول الفراغ، حول فقاعة لا تنفجر ولا تُحتمل، تزيد التيه بدل أن تشرحه.
شعرت بتلك الهلاوس، بما عايشته في دار الجبل، كان غرقًا كاملًا. وغرقتُ معك في هلاوسك، بلا حبل نجاة، حتى التباس الأصوات، وتكسّر الزمن، وتعدّد الوجوه داخل الصوت الواحد.
كنت أفكر في فقاعات البشر جميعًا: الذين نصادفهم، والذين نراقبهم من بعيد، والذين نجلس قربهم في المقاهي دون أن نعرف أي ليلٍ يسكنهم. كنتَ واحدًا منهم، وكنتُ — في لحظة ما — واحدة منك. أما دون كارلو جيزوالدو فأنا لم أكرهك. وهذا، ربما، أقسى ما يمكن أن يُقال عنك. رأيتك إنسانًا موصومًا بلعنة، لا شيطانًا. الإبداع فيك يا عزيزي لم يكن شرًا، لكنه كان هاوية. حين يبتلعنا الإبداع ولا نعود نملك مسافة منه، نصير أسرى أفكار تتوالد، تتشابك، تدور في حلقة لا تنتهي. تصير الصرخات صامتة، والألم مألوفًا، بل وربما مُغريًا.
كنتُ أراك من بعيد، كما يُشاهد المرء جسدًا يتلقى الضربات. الضربات لا تُسقطك، بل تزيد الهستيريا، كأن اللعنة تُغذّي نفسها من جسدك المرتجف. تمتص الدماء فينتشر سحر الشيطان أكثر داخلك، أين الرب في هذه الأوقات
صرخات الرضيع المختلطة بالموسيقى، وأنت يا عزيزي تصرخ بتلذذك. كانت لوحة نابضة، موجعة.
ولكن يا عزيزي لم أرد أن ينزع أحد عنك غموضك، وددت أن أبحث عنك بنفسي، أن أتعثر في أثرك. ومع هذا، بقيتَ في عيني ككائن ملعون. تائه، محاصر، يدور داخل عجلة من الألم والإبداع، ولا أحد يسمع صوته، حتى وهو يصرخ وينتزع لحظاته الأخيرة بالحياة.
«مادريجال الليل» مش رواية بتتقري وخلاص، دي تجربة بتدخل فيها واحدة واحدة. من أول الصفحات تحس إن السرد هادي، بس ماسك، بيشدك من غير ما يزعق أو يستعرض. الرواية مش حكاية تقليدية، هي حالات إنسانية متفصّلة، كل جملة فيها معنى يستاهل توقف عنده وتتأمله. واضح إن الكاتب بيكتب بوعي، اللغة مختارة بعناية، والمشاعر موزعة بهدوء من غير مبالغة ولا مباشرة. من أكتر الجمل اللي علّمت معايا: «حاولت دون حماس، فلم يأتِ شيء» جملة بسيطة قوي، بس صادقة لدرجة توجع، وتحس إنها بتلخص حالة ناس كتير… محاولة من غير طاقة، واستسلام هادي. الشخصيات في الرواية مش مثالية ولا بطولية، بالعكس، فيها سخط، تعب، وتسليم للأمر، وده مخليها قريبة قوي من الواقع ومن القارئ. الجميل كمان إن الرواية بتحترمك كقارئ، ما بتمسكش إيدك ولا تشرحلك كل حاجة، لكنها تسيبك تفكّر، وتفسّر، وتربط اللي بتقراه بحياتك. «مادريجال الليل» من الروايات اللي مش بتخلص مع آخر صفحة، تأثيرها بيكمل بعد ما تقفل الكتاب، وتخلّيك تبص للحاجات حوالينك بنظرة أهدى وأعمق. رواية مختلفة، صادقة، وتستحق تتقري على مهلك، خصوصًا لو بتحب الأدب اللي بيسيب أثر مش مجرد قصة تتنسي.
حينما يُلد الفن من رحم الألم، وتتمخَّض المُعاناة في رحمِ اليأس فيُنجَب مارديجال ليلٍ حزين.. رواية مارديجال الليل هي أول تجاربي مع الكاتب وكانت خير بداية؛ فريدة الكلمات، مُجسِّدة للجنون وآسرة للألباب، فلن تطأ عينك أحرفها إلَّا وإستقت كلماتها وما فارقتها إلا في خواتيمها. الرواية تسير في خطين زمنيين لا يلتقيان، بين فنانٍ مجنون في القرون الوسطى، ورجلٍ في زمن الجائحة نال مِنه الملل فلجأ إلى إستراحةٍ في محطة وقود. لن أقول أنها رواية فلسفية معقدة، بل هي تجسيد لجموحِ الذات البشرية حينما يمسّها قبسٌ مِن القهرِ والعذاب. أبدع الكاتب وأتقن سرده فخلق ملحمةً فريدة. (في انتظار القادم باذن الله)