إنَّ جَعبة ابتهال ملأي بالقصص، البسيطة والمعقدة، العميقة والقريبة، تصنعُ من الحدث العابِر لحنًا خاصًا، وتغزل من المواقف العادية شيئًا خاصًا، وتضنُّ على نفسها بالحكمة المستخلصة والدرس أحيانًا، والطرفة أحيانًا أخرى؛ فتسارع إلى قارئها ليُشاركها ما مر بها وأثره عليها؛ ذلك أنها كاتبة مطبوعة تعرف أن هناك قارئًا ينتظر، ربما الآن، وربما في ليلة شاتية ستأتي بعد زمن؛ ليجد عندها شيئًا من الحكمة وبعضَ الطرف، وبعضَ الحكايات التي لا تبتغي سوى التسرية. في "دقات ودقائق"، ستَدخل قلب الكاتبة ووعيها وبيتها. سنجدها وحدها أو بين أفراد أسرتها، في لحظةِ تأمل أو في رحلة صيد، وفي المواقف المتباينة؛ سنمر معها على الخوف والشجاعة والقلق والحذر والشك واليقين. سنرى الأحداث بعينيها ونسمع وجيب قلبها.. حتى المكنسة التي تتحاور معها كأنها تسمعها، و"العفاريت" التى طافت بالخيال فطردتها آيات قرأها أبوها عفوًا. عندما قرأت الكتاب في البداية، تساءلت عن رسالة الكاتبة عن هدف الكتاب.. لكنني اكتشفت أنه سؤال لا محل له هنا؛ فالكتابة أحيانًا واحة يلتجئ إليها الكاتب، لا ليبعث الرسائل ولا ليجيب عن الأسئلة؛ بل ليجد شجيرة هادئة يستمتع تحت ظلالها بالبوح، مرحبًا في الوقت ذاته بكل مَن أراد أن يستمع أو يريد أن يشاركه اللحظة. وهذا لعمري من أجمل أسرار الكتابة أنها البراحُ الخاص الذي لا يلومُك عليه أحد، والذي نفترض فيه - كما أشرنا أن هناك قارئًا يحب أن يستمع. وقد منحت نفسي هذه الفرصة للاستماع فوجدته حكيًا هادئًا رصينًا، ووجدتها واحة خير تفيض بالأنس والسلام والسكينة. باختصار، وجدت حياة في سطور.
لا أذكر متى تحديدا طالعت كتاب يحمل في طياته ذكريات وخواطر أدبية تقع في المنطقة الرمادية لا رواية ولا مجموعة قصصية ولا هي سرد تاريخي، كتاب تتسع صفحاته للحظات إنسانية قد تكون عابرة لكن د. ابتهال قررت أن تقف عندها لتشاركنا تجلياتها والتي ساهمت في نشأتها، طفلة كانت و صبية وفتاة مزهرة.
حروف هادئة وتأملات أقل إنفعالا، قد تتشابه بعض بنية الخواطر إلا أنها تظل متميزة بومضاتها وشعورها. رأيتها وكأنها نغمات بأجنحة فراشة تحلق في حقول الذاكرة بين حُزن وبراءة وحنين، بلغة سلسة ومباشرة أحيانا.. لا أُنكر تعجبي عند الشروع في القراءة بالهدف من الكتاب لكن بشكل ما استطاعت كاتبته أن تستميلني لحكاياتها..
فلنتفق أن الزمن تحديدا لا يُقاس هنا بدقائقة المعروفة وإنما بدقات شعورية تلتقط التجربة الذاتية فتحولها لوعي كامل، تطرح معها تساؤلات فلسفية تلامس المشاعر، تثير فيك بصفحاتها حنين خفي ظننت أنه انتهى وتنعش ذاكرتك لتعيدك إلى الزمان الأول.
لغة الكتاب بسيطة لا تربكك ولا تحمل معنيين أو تأويل، كنت أحب إضافة أكثر لأدوات التلاعب اللغوي كما في (الترجالي رأس الثعلب) لتعطي معنى أعمق وأكثر جمالية تصل بي إلى الدهشة، وهذا كتفضيل قارئة لا أكثر.. لكني أظن بذلك أني أظلم حكايات ركن خاص بمقارنتها برحلة تاريخية، على قيد انتظار دائم لتلك المساحة التي تتلاعب فيها بكلماتها فتبني ببلاغة بناءا مُركبا يغوص بقارئه خارج المألوف.. كما أسرتني بكل معنى الكلمة عندما وصلت إلى (الخواطر المنجية).
ليس من اليسير أن يسير أحد بك في طرقات ذهنه وماضيه، يشاركك دقاته ودقائقه، ويربطك بتوجهه ناحية ما يعانيه أطفال العالم. معها تتألم لألمها وتبتسم لتجربة الكمون مع الطشة، وتبكي رحيل والدها غفر الله له. كتاب يذكرنا بأن الحياة بلحظاتها ودقائقها وليست بعدد سنواتها، وأن ما يمر من العمر يُحسب بالأحاسيس والمشاعر، كتاب يهمس في أذن الروح بأن نستمتع بالتفاصيل، تضيء العمر تارة وتعلمنا تارة أخرى ان ننتبه للأشياء التي ظنناها عابرة.. وكانت هي كل الحكاية.. فأحيانا لا تحتاج الحكايات لصراع وجودي، بل تجدها في تكرار آمن..