هل يمكن أن يتحول الوطن إلى قالوفة؟ وهل يمكن أن يتحكم أمثال عبد القادر صابونة في مصائر المواطنين؟ تعالوا نعرف ماذا قال الروائيان الجزائريان الكبيران واسيني لعرج وأمين زاوي عن هذه الرواية للكاتب الشاب المتألق عبد الباسط باني!
مَن يقرأ "القالوفة" سيقولُ حتمًا: هل مُبارك اللعين بشر من حديد ورماد أم قنبلة موقوتة؟ من أين للمرء بكل هذه الطاقة الإباديَّة المُخزَّنة؟ الشيء المؤكَّد هو أن هذا الخزَّان الذي يُشبه برميل بارود قابل للاشتعال، لم ينبع من عدم. عُنف فردي يوازيه عُنف المجتمع المُتخفِّي تحت طبقات الزيف والكذب والرياء. القالوفة هي في النهاية صرخة شخصٍ يؤمن أن العالم مقبرة تفتح فمها مثل الجائع دومًا، وأن الناجين بصدفة الأقدار ليسوا إلا أشباحًا مُتآكلة تعلَّمت كيف تمشي دون أن تصرخ. و[مبارك] الذي اختار له الروائي صفة [اللعين] وجد في النهاية ضالته التعبيرية في الكتابة، في مقبرة اللغة حيث يستطيع أن يدفن آلامه وجُرحه وسرديته التي لا تهمُّ أحدًا غيره. واسيني لعرج * تفتح رواية "القالوفة" عالَمها بموقف مُواجهةٍ حادٍّ، إذ يجد القارئ نفسه أمام مشهد مُثير مُتمثل في المواجهة بين الشقيقين رشيد الصحفي اليساري والمنصوري السلفي الإسلاميّ المُتعصب، بسرعة نُدرك أن هذا الأخير صُحبة أميره ومجموعة من الإرهابيين في مهمة لقتل الأخ الكاتب الصحفي! مدخل عنيف ومثير. تتوسع الرواية شيئًا فشيئًا، وإذا نحن في مدينة مليانة التاريخية في سنوات العشرية السوداء الدموية بالجزائر! في هذه الرواية سخرية كبيرة يُريدُها "باني" مدخلًا للكشف عن انحطاط الإنسان وتوحُّشِه، حيث تختفي الفوارقُ ما بين الإنسان والحيوان، بل في كثيرٍ من المرَّات نشعر بإنسانية الحيوان عميقةً في مُقابل حيوانية الإنسان الشَّرسة والدَّموية. أمين الزاوي
روائي ومهندس معماري _متحصل على جائزة رئيس الجمهورية الجزائرية في الرواية عن رواية "مطلوعة " طبعة2021 من مؤلفاته : _مطلوعة (خبز وحب)_ رواية _ولد نعيمة (رسول العبث)_ رواية رجل للبيع بالتقسيط_قصص. _ بقايا رجل _نصوص. _مسرحية سر المحارة مسرحية ماذا فعلت لتعيش؟ _مسرحية بوكرش.
"القالوفة.. حكاية ثورة استثنائية يقودها الإنسان والحيوان" الشعب دومًا يرفض الظلم، قد يستكين أو يتجاهل، لكن لا ينسى، يتعدد الحكّام، ويبقى الوطن واحدًا، أرضًا تشمل كل الأفكار والتيارات، وتظهر صراعات جديدة بيد قوات محتلّة، ونتساءل ماذا جنى الوطن من كل ذلك؟ هنا حكاية غير أي حكاية، نص روائي غرائبي بديع مدهش، تناول الكثير من الأفكار والمعتقدات، واستطاع الكاتب نسجها بأدواته الروائية بمهارة رائعة، خالقًا حالة خاصة مؤثرة، ممتعة، مؤلمة، وساخرة. يبدأ النص بافتتاحية جذابة تأسر القلب، مشهد اعتداء ببندقية، طفل يصرخ، وأب تحت تهديد السلاح، ندخل في عالم الرواية سريعًا دون أي تمهيد غير نافع، ونتعرّف على أركان هذا العالم. نعيش عالمًا غرائبيًا في أماكن جديدة على أرض الجزائر، ليس أماكن فحسب، بل هناك شخصيات تنوعّت بين الإنسان أمثال "محمد الملياني"، "عبد القادر صابونة"، وحيوان مثل "حمو"، "الطنيش". تجرأ الكاتب وأعطى أصواتًا روائية للحيوانات مثلما أعطى للإنسان، الأمر الذي جعل القارئ يغوص في أعماق النص ويتأثر بكل شخصياته: إما إنسان أو حيوان. نعيش لنرَ ما يفعله "محمد الملياني" ولماذا اختار صحبة الكلاب، و"مبارك" الكاتب المتلذذ بتعذيب الحيوان، و"عبد القادر صابونة" السياسي الذي يعيش بإعاقة سببها عضة كلب، ويحقق تدريجًيا أطماعه في السُلطة. أعتقد أن أعظم يميّز هذا النص هو بناؤه الحر، التجديدي، الغرائبي، والمتقن في الوقت نفسه، لم يغفل الكاتب أي تفاصيل، وتنقّل بالخط الزمني بكل حرّية وحرفية، مازجًا بين أحداث الرواية، وبفترات تاريخ الجزائر ما بين الثمانينيات والتسعينيات، محققًا غاية فنية قوية باستعاراته في النص ما بين الحيوان والإنسان. إن اخترت أكثر المشاهد تأثيرًا سأختار مشهدين: مشهد أكل كبد الكلب، ومشهد ثورة الحيوانات، هذان المشهدان تحديدًا رأيتهما أمامي، وتساءلت كيف استطاع الكاتب أن يجمع هذه التفاصيل البعيدة؛ فتبدو كيانًا واحدًا قادر على التأثير والوصول إلي أعماق وجدان القارئ. انتفاضة الحيوانات لها دلالة قوية في النص، كأن كل الخلق من بشر وحيوانات لم تعد تحتمل الظلم، بما فيهم الكلب "الطينوش" الذي كان يتمنى أ يصير كلبًا بوليسيًا يعمل لدى الشرطة، ثم واجه عراك المجتمعات وخرابها. جاءت شخصية "ليندا" كطيف جميل، أمل في التغيير، ورفض السائد، وما يكتبه التاريخ، جاءت في النص بصورة مثمرة، وإضافة قوية، جمعت خطوط كثيرة، وبظهور مدهش في مشهد المحاكمة. هذا نص روائي يتّسم بالثراء، وبحالته الخاصة، لا ندرك أهي رواية دستوبيا أم ساخرة أم تاريخية، هي خلطة غرائبية تم صنعها بامتياز، وأنتجت لنا رواية أدبية من العيار الثقيل، ستظل خالدة بين عشّاق القراءة والأدب والحرّية.