في «حرفة مربكة» يجرب زفايغ تحويل الفعل الإجرامي إلى مرآة أخلاقية راوية يقتل وقته على رصيف باريسي، فيستدرجه الفضول إلى مراقبة نشال يتقن التخفي كفنان مسرحي، بين واجهة حلوى تستدر الزحام ودار مزادات يفتنها البريق. ولقطة لقطة تتكشف «المهنة»: يد رشيقة تحتاج رأسًا باردًا، وحسابًا للنظرات والانعكاسات والمخاطر. فكيف انقلب التلصص معرفةً بالنفس؟ نص مشدود الإيقاع، حاد الملاحظة، يرينا باريس من مستوى الجيب لا من بطاقات البريد.
وفي نوفيلا قلب مفطور تصعد المأساة من الداخل: شيخ براغماتي، صنع عائلته بالمال والكدح، يلمح شرارة خيانة محتملة في ممر فندق، فتبدأ آلية الانهيار. لا صراخ ولا محكمة؛ بل انساف صامت للقلب، مرارة تسري في الدم، ولغة تشتغل بالمقادير الدقيقة. يرسم زفايغ هنا أحد أقسى بورتريهاته : سقوط رجل لا لأن الآخرين قسوا عليه، بل لأن قلبه اعتاد أن يُعطي حتى لم يعد يجد ما يتشبث به.
كتاب عن مهارتين متقابلتين : يد تتعلّم أن تأخذ بلا أثر، وقلب يتعلّم، متأخرًا، كيف يفلت كل شيء.
ولد “زفايج” في فيينا عاصمة النمسا عام 1881، اشتهر في بداية حياته كشاعر ومترجم، ثم ذاع صيته في المرحلة التالية في حياته كمؤلف سير وتراجم حين كتب سيرة كل من: “بلزاك”. و”ديكنز” والملكة الفرنسية “ماري أنطوانيت” زوجة ملك فرنسا “لويس السادس عشر”.
وفي المرحلة التالية من حياته كتب زفايج عدداً من القصص القصيرة قبل أن يذهل العالم بروايته الخالدة (حذار من الشفقة) في عام 1929 وقد عاش في “لندن” من عام 1934 حتى عام 1940، واكتسب الجنسية البريطانية، ثم هاجر بعد ذلك إلى الولايات المتحدة الأمريكية” ومنها إلى “البرازيل” حيث مات منتحراً في عام 1942 عن (61 عاماً)، وفي العام التالي 1943 نشرت سيرته الذاتية بقلمه بعنوان “عالم الأمس”.
5 نجمات! البعض قد يستغرب، لكنه يستحقها فعلاً؛ لأن الكتب والأدب بشكل خاص وُجدا لكي يقربانا من أنفسنا ويشرحا ذواتنا. الكتاب عبارة عن قصتين قصيرتين: الأولى (عن حرفة مربكة): أعجبتني القدرة على الوصف الدقيق، ونقل مشاعر التوتر والترقب.. كنت أراقب الحدث مع الأبطال وكأنني بينهم. هي فعلاً "حرفة مربكة"، ولكن هل يكفي هذا الوصف لتجنب أن نكون الضحية التالية؟ القصة الثانية (عن قلب مفطور): لو قرأتها في وقت آخر لربما قلت إنها لا تستحق القراءة، لكن "ستيفان" يصدمني دائماً. للأسف قرأتها وأنا أشعر بذات الخذلان؛ ذلك الشعور الذي يسلبك القدرة على الحديث أو الحوار. لطالما اعتقدت طوال حياتي أننا بالحوار نستطيع حل جميع خلافاتنا وتوضيح اختلافاتنا، لكن شعور "القلب المفطور" صادم وحزين. الحمد لله أن الخيبات الصغيرة أحياناً تجعلك قادراً على مواصلة حياتك، على عكس أبطال ستيفان؛ فخيبات الأمل في سن متأخرة قد تكون قاتلة، ولا يكفيها رصيد الخبرات الحياتية لتجاوزها.
اسم الكتاب: حرفة مربكة، ويليها قلب مفطور المؤلف: ستيفن زفايج الصفحات: 85 رقم الكتاب: 26 رقم المراجعة: 26
هذه النوفيلا تتكون من قصتين قصيرتين، حرفة مربكة، وقلب مفطور، ولأكون صادقاً، فقد كانت القصة الأولى والتي تحمل عنوان الكتاب، مملة إلى حد كبير، لم أستسغها، لدرجة أنني قرأت أول 15 - 20 صفحة ثم فضلت الانتقال إلى القصة الثانية "قلب مفطور"
في قلب مفطور، تتجلى المأساة والحزن الداخلي الكبير الذي شعر به الشيخ سالومونسون، تجاه ابنته ثم زوجته، الرجل الذي بنى لنفسه سمعة واسماً كبيراً، وصار من الوجهاء، أخذ الأسى يتصدع بقلبه، ويهدم روحه، حتى غدا فقيراً مسكيناً بعدما تدين، وترك ابنته وزوجته يمارسان لا مبالاتهما عليه، خاصة وأن هناك عوامل كثيرة جعلته يأسى، وتموت روحه، ويصل به الحزن والوجوم مبلغين لا حد لهما، حتى غدا بائساً وشاحباً.
أبدع زفايج جداً بهذه الحكاية القصيرة، والترجمة كانت جيدة جداً.