يساعدك هذا الكتاب لترى ما وراء المألوف، فالعصفور الذي يغرد قُربَ نافذتك لا يقوم بعمل عابر، بل يرى ما لا تراه، ويدرك العالم بشكل مختلف تمامًا عنك، والقطة التي تتمدد بكسل على أريكتك ليست مجرد كائن مُدلَّل، بل أعجوبة بيولوجية ظنَّ العلماء أنها تخالف قوانين الفيزياء، والنملة التي تسير على طرف مكتبك تحمل في دماغها الصغير حلولًا تنظيمية لم تصل إليها بعدُ أعقدُ أنظمة البشر، وهذا الشمبانزي الذي تراه في حديقة الحيوان ساكنًا ينظر إلى الفراغ أمامه دون اهتمام ظاهر، يطبق في صراعاته خداعًا عسكريًّا يسمح له بحفظ توازنات القوى، بشكل يشبه استراتيجيات الجيوش المعاصرة، أما العرتيمة فليست مجرد كائنات قشرية اعتادت العيش في أحواض من الملح تشبه في قسوتها عوالم أخرى خارج الأرض، بل هي فرصة مدهشة حقًّا لاختبار حدود الحياة.
ولكن قبل أن تبدأ معي هذه الرحلة، والتي تجري في 17 محطة، كلٌّ منها يطرح فكرة مدهشة عن عالم الحيوان، ربما تصدمك للوهلة الأولى بفرادتها، أدعوك أن تتخفف من ثقل العادة، أن تترك وراءك صخب الأسمنت وضجيج الشاشات، وأن تمشي معي في ممرات الغابة، وعلى ضفاف الأنهار، وبين أسراب الطيور. وحين تنتهي من هذه الرحلة، لعلَّك ترى العالم بعينٍ أخرى، أكثر امتلاءً بالتأمُّل المبني على المنهجية العلمية في التفكير، أو ما أُحب أن أسمِّيه "الحكمة"، وبالتأني، وبالحياة.
كاتب ومحرر علمي وصيدلاني مصري، كتب لأكثر من منصة عالمية مثل "ساينتفك أميركان" الطبعة العربية و"ناشونال جيوجرافيك الشباب" و"بوبيولار ساينس" و"نيتشر الشرق الأوسط"، ومنصات عربية مثل اضاءات ومجلة عالم الكتاب ومجلة التقدم العلمي الكويتية ومجلة الديمقراطية التابعة لمؤسسة الأهرام المصرية، يعمل حاليًا مدير تحرير لقسم العلوم والفنون والمنوعات بمنصة ميدان الجزيرة.
هو كذلك مؤسس نادي هواة الفلك بالدلتا، التجمع الفلكي الأكثر نشاطًا عربيًا، قام بتقديم نشاطات علمية ومحاضرات في كل جامعات مصر تقريبًا بما في ذلك مدينة زويل والجامعة الأمريكية.
يتساءل الكاتب في كل فصل تقريبًا عن ما يمكن أن نعتبره طبيعيًا في هذا العالم؟ وعند الانتهاء من الكتاب بهذا الفصل المتشائم عن تأثير الدومينو الانقراضي وجدتُ نفسي أجيب على السؤال بأن الشيء الوحيد غير الطبيعي في كل ما سرده الكاتب من قدرات شبه خارقة لكل تلك الكائنات الحية - هو هذا الحيوان المنتصب على قدمين! نعم، هذا هو الكائن الوحيد غير الطبيعي الذي شذ عن قانون الحياة وتمرد على الطبيعة وخرج من تحت عباءتها، وسوف يدفع الثمن غاليًا مقابل عصيانه هذا، وانقراضه لن يكون انقراضًا فرديًا، بل جماعيًا للأسف. الجميل في هذا الكتاب هو أنه جعلني منخلع تمامًا من كوني إنسانًا، لأول مرة شعرتُ أنني متحرر من جنسي البيولوجي، كأنني أصبحت أرى العالم من منظور كل تلك الكائنات، للكاتب قدرة متميزة في سرد الحالات الإدراكية المختلفة لتلك الكائنات، مما جعلني للحظة كأنني شعرتُ بما يمكن أن يشعر به الخفاش. نعم، بالتأكيد، لا أحد يستطيع الادعاء أبدًا أنه يعرف كيف يكون الأمر أن تكون خفاشًا - لكن للحظة تقمصية واحدة، وهلة من الزمن، كأنني أصبحت أرى العالم من منظور خفاش، عنكبوت، عرتيمة، حبّاك، بل حتى نجم بحر. يدعونا الكاتب دومًا للاندهاش، وفي هذا الكتاب، فعلاً استطاع ادهاشي بدرجة لا تقل عن اندهاشات كتاب السما وكتاب الكون. *** ::حيوانات خارقة ليست من عالم مارفل:: ===================== يحمل هذا الكائن، الذي سُمي ((روبيان السرعوف)) لقب صاحب أسرع لكمة في مملكة الحيوان، رغم أنه بحجم إصبع صغيرة في بعض أصنافه.. إذ يُقدر الضغط الناتج عن الضربة بأكثر من 1500 نيوتن. ولفهم مدى القوة (نسبيًّا)، فإن ملاكمًا مثل مايك تايسون أو محمد علي كلاي يمكن أن يوجه لكمة بقوة تتراوح بين 300 إلى 600 نيوتن تقريبًا، حسب وزنه وتكتيك الضربة، وقد أظهرت بعض الأرصاد الحديثة على ملاكمين محترفين أن أقوى اللكمات البشرية المسجلة وصلت إلى نحو ألف نيوتن، في ظروف خاصة. ... النصفان يدوران عكس بعضهما بعضًا، الجزء الأمامي يلف في اتجاه معين، والجزء الخلفي يلف في الاتجاه العكسي، بذلك يكون الزخم الزاوي «الكلِّي» محفوظًا، لأن كل نصفٍ دار في اتجاه معاكس، فكأن الأمر يشبه جمع سالب واحد وموجب واحد، مجموعهما صفر. الإنسان لا يمتلك تلك القدرة، فهو ليس مرنًا كالقطة، حيث يمتلك نحو 33 فقرة في عموده الفقري، بينما تمتلك القطة (التي هي أصغر حجمًا) نحو 53 فقرة، ما يجعل عمودها أكثر مرونة وقدرة على الانثناء. ... الحياة لا تحتاج إلى ظروف مثالية لتظهر، بل إلى إصرار كيميائي على البقاء، إصرار قد نجده في قطرة ملح، كما في مجرّةً بعيدة. في فبراير 2025، أخذ فريق من الباحثين الإيطاليين بقيادة عالمة الأحياء الفلكية ماريا تيريزا موسكاري توماجولي من جامعة بارثينوبي في نابولي، بيضات الروبيان الملحي في حالتها الخاملة (كبسولات صغيرة من الحياة تنتظر اللحظة المناسبة لتعود إلى النمو)، ووضعوها في ظروف ضغط وملوحة أقرب ما تكون إلى بيئة المريخ. وحين فقست تلك الأكياس إلى يرقات، بدأ الفريق تحليل أيضها ووظائفها الحيوية، ليكتشف أن هذه الكائنات الصغيرة تكيفت بشكل مدهش، وأن نموها لم يتأثر إلا في حدود ضيقة. هذه النتيجة ليست مجرد تفصيل بيولوجي، إنها نافذة على سؤال كوني: هل يمكن أن تزدهر الحياة في أماكنَ أخرى من النظام الشمسي إن قدرة العرتيمة على تحمُّل أملاح البيركلورات، الموجودة بكثرة في تربة المريخ، تجعلها أشبه بكائن «فضائي». ... الكائنات المُحبة للظروف المتطرفة دون تسليط الضوء على بطيئات المشية (دبية الماء)، وهي كائنات تجعل من السيد فرعونيس لعبَ أطفال، غالبًا ما تُوصف بأنها أكثر الحيوانات ثباتًا، أو أقوى كائنات الأرض، أو الناجي الأخير إذا ما حلت على كوكينا كارثة كبرى. بطيئات المشية حيوانات صغيرة، بطول نحو نصف مليمتر، تمتلك ثمانيَ أرجل، كل واحدة منها تنتهي بمخالبَ دقيقة. لا تمتلك هذه الكائنات عظامًا، بل تحتوي أجسامها على سائل داخلي عبارة عن مزيج من الدم واللمف، يحمل العناصر الغذائية كما في دم الإنسان. *** ::اقتباس محوري:: ========== فالإنسان الذي يعيش في بيئة صعبة، ولتكن ظروفًا اقتصادية قاسية مثلًا، ينجو ليس لأنه أقوى فقط، بل لأنه كى في توزيع طاقته. مثلًا، يتجنب الدخول في صراعات لا طائلَ منها، يحتفظ بجهده لما يضمن التقدم خطوة صغيرة، ويستثمر القليل من الموارد في بناء شبكة دعم أو اكتساب مهارة جديدة بدل إهدارها في مواجهة غير محسوبة بهذا المعنى، (معادلة الصمود» للبشر هي في الاقتصاد العقلي النفسي والجسدي، أي أن تتعلم كيف تقلل هدر طاقتك في التوتر والقلق والاندفاع، وتوجهها نحو ما يطيل قدرتك على المواصلة في بيئة لا ترحم. *.*.*.*.*
بعد قرائتي لكتاب "العرتيمة" للصديق شادي عبدالحافظ وهو كتابه السابع والذي يدعوك دائماً للاندهاش !! الكتاب يدعونا إلى تخيّل العالم بعيون وحواس الكائنات الأخرى، لنكتشف أن الواقع الذي نراه ليس إلا نسخة واحدة من واقع أكبر بكثير. كتاب العرتيمة رحلة علمية ممتعة تشرح كيف ترى الكائنات الحية العالم بطرق مختلفة تمامًا عن البشر، وتدفع القارئ إلى إعادة التفكير في معنى الإدراك والواقع والطبيعة. . الإنسان يدرك العالم عبر حواسه المحدودة بينما الحيوانات تمتلك حواسًا مختلفة أو أكثر تطورًا، لذلك ترى وتفهم البيئة بشكل مختلف ،،يستعرض الكتاب نماذج علمية مدهشة، طيور ترى مجالات مغناطيسية تساعدها على الملاحة وكائنات تستطيع رؤية أطوال موجية لا يراها الإنسان مثل الأشعة فوق البنفسجية وكائنات تعتمد على الصوت أو الاهتزازات لرسم صورة كاملة للعالم ، فالطبيعة أكثر تعقيدًا مما نعتقد والبشر ليسوا مركز الكون الإدراكي كما أن فهم طريقة إدراك الحيوانات للعالم يساعدنا على فهم البيولوجيا والتطور بشكل أعمق. يعتمد الكتاب على أسلوب علمي مبسط وقصصي يعتمد على أمثلة وتجارب علمية حقيقية وموثقة بالمصادر بعد كل فصل من فصوله "حين نفهم كيف ترى الحيوانات العالم، ندرك كم هو محدود إدراكنا."