“سرديات المنفى” محاولة جماعية لالتقاط ما لا يمكن التقاطه، ما يبقى منّا بعد أن يعبر الصوت حدود اللغة والمكان. بين نصّ وسيرة، بين لغةٍ وأخرى تلك التي عبرت المسافات محمّلة بما تبقّى من البلاد، من اللغة، من الذاكرة التي لا تهدأ كتبت نساء مهاجرات ولاجئات أصواتهنّ وذاكرتهنّ وملامحهنّ الموزّعة على خرائط المنافي، وكتبن ما لم يُقل، ما ظلّ عالقًا بين لغاتٍ لا تترجم الخسارة تمامًا. كلّ واحدة منهنّ تحاول أن تلمّ شتاتًا ما، أن تستعيد شكلها في لغةٍ لم تفقدها بعد، أن تكتب كي تبقى. يتجسد المنفى في هذه النصوص كتمرين يومي على النجاة، على اختراع المعنى في غياب كل شيء. في المنفى نصبح أكثر هشاشة، نفقد لغتنا شيئًا فشيئًا، نفقد معها القدرة على التسمية، على الغضب، على التعبير، فنكسر صمتنا بهذه الكلمات. نعود إلى العربية كمن يعود إلى بيتٍ قديم، نلمس جدرانه لنطمئن أننا ما زلنا هنا، وأن أصواتنا لم تُمحَ تمامًا. هذا الكتاب وُلد من الغياب أيضًا، غياب صغيرتي سمر الذي لا يشبه كلَّ ما قيل عن الفقد، بل يشبه حياةً معلّقةً بيننا، ما زالت تومض فيما أحاول ترميمه، كأنّ النسيان يحاول ابتلاعها ببطء، فأستعيدها في كلّ ما أقول كي لا تختفي… ولا أختفي أنا أيضًا. ميسا صالح