هي أحلام نساء ورجال مغاربة... في عالم صعب وزمن قاس... الجلاد يهرب من ماضيه.. يرجو فرصة ثانية في واحة تتغير أعرافها بريح القادم بقوة يزلزل كل عتيق تأسس على الجور والظلم...
الرواية جميلة ولغتها قوية، وهي تصوّر قضايا الطبقية والسياسة والنضال اليساري والعلاقة بين الغرب والشرق والروحانية والمادية، والصوفية والسلفية، والمعاصرة والأصالة.
يصوّر الروائي المغربي خالد أخازي أوضاع واحة في جنوب المغرب والطبقات التي تعيش فيها: الأشراف الإدريسيين من العرب من نسل محمد، والمرابطين (عرب وأمازيغ) أو ما يشبه الأرستقراطية المحاربة المتبحّرة في الدين، والحرّاطين (وهو تحريف لكلمة الحرّاثين أو الحُر ثاني) من المزارعين سود البشرة، والذين يعاملونهم معاملة العبيد ولا يختلطون بهم. مع ذلك، يحاول الروائي بيَان تفكيك تلك الروابط، من خلال تصوير الشريف وقد زوّج ابنته لرجلٍ لقيط، وابنته الأخرى لأحد المرابطين، فيما تزوّج ابنه البِكر أميركية مسيحية، وهكذا تتفتّت الطبقية بمرور الزمن. عند وفاته، يترك منصبه الديني لزوج ابنته من المرابطين من دون أن يثور الناس على ذلك، ويزوّج الأخير ابنته لمهندس ينحدر من الحرّاطين فتكتمل دورة تحطيم الطبقية في الواحة.
بعض الاقتباسات:
البكاء عزاء وانتماء ... عيون لا تدمع تخيف. البكاء ليس ضعفاً، البكاء بهاء وانتماء بهي ومشرّف لبشريّتك.. من لا تدمع عيناه كائن مضطرب أو مريض، فحتّى الجلادون والقتلة وعتاة المجرمين يبكون.. نعم يبكون ولو في سرّهم .. العظماء يبكون .. قد يختفون أو يعتزلون الناس للبكاء ولكنّم يبكون. إنها الشبعة التي فتحت عيونهم على أشياء أخرى، لو كانوا جوعى ما كانت لهم القوة للتخريب.. لو كانوا جوعى لتلهّوا بصرير بطونهم. هل الجائع يحرق مطبخه ويقتل بقرته الوحيدة؟ بعض الفكر الراسخ يصير عقيدة مقدّسة، تعمي الأبصار وتغيّب العقول، ويغدو أمر النقاش فيها شاقاً ومتعباً، وقد تكون نتائجه وخيمة، كالعنف والقهر. الحياة متعددة الأبواب والمخارج والطرق والدروب، لا ترهن نفسك على بابٍ أغلقه صاحبه في وجهك! لا يمكن لأذن شغلتها تفاهة الحياة، وعقلٍ شلّه التوجّس والحذر، وقلبٍ أعماه الملل والضجر، أن يسمعوا ما يحتاج إلى روحٍ شفافة وقلوبٍ رهيفة وعقول منفتحة. متى كانت المظاهر تصلح للشهادة، ليس كل ضائع جاهلاً، ولا كل شريدٍ أميّاً، فقد يكون العلم أصل الضياع والشقاء، وقد يكون الفهم أصل الهم، والمعرفة درب الرزية. البرنس لا يصنع قسّاً. الناس بعقولهم، نعرفهم متى تحدّثوا. والعِشرة تمسح الأصباغ وتفضح الأقنعة. الهدوء المفرط قد يؤدي إلى الجنون، مثله مثل الضجيج. الضوضاء إدمان، لكن كل ما زاد عن حدّه ينقلب إلى ضدّه. الواحة أفضل مكان لفطام النفوس ممّا ألفت من أضرار وأدران. الماضي ماكر، لا بد أن يجد طريقه يوماً ما إلى الحاضر، حين يفقد الحاضر مناعته وقوّته، ينتهز الماضي الضعف واليأس ويأتي في جبهة الأمل، قد يقدّم حلولاً مؤقتة، لكنّها مجرد جرعات تخدّر قضايا الراهن المرّ. ليس في الماضي حلولٌ كثيرة، فيه فقط عِبَر وعزاء مزيّف. تاريخ المقرّرات الدراسية هو تاريخ بلا هوية، هو تاريخ لا يصنع الأوطان الحرّة، ولا الشعوب الكريمة. هو تاريخ مفتون بالغنيمة والعطايا، مسكونٌ بالخوف والخرف، لأنه ليس تاريخ الشعوب. الكلام الكثير يصنع العداوات. كم من علاقاتٍ جميلة واعدة أنهتها بجفاءٍ قطعي تأويلاتٌ طائشة. الخيبات قد تصنع الحكماء، والانكسارات قد تكون صهوة العظماء، تذوّق النصر يعني أولاً معرفة مرارة الهزيمة، هل من عسلٍ بلا لسع، وجني بلا كد، وجزر بلا مد ... وزهد بلا قمع، وخلوة بلا ورع؟ عذاب العقل السوي العالِم في البدن الخائر لا يطاق. العقل يصير أحياناً جلاّد صاحبه. بعض الأبواب لا تفتح لقلبٍ قانط ولا لساعدٍ متراخٍ، ولا لعقلٍ غافل، بعض الأبواب كالبشر، تضجر ولها كبرياء وحين تستأنس تمنّ على الطارق بالفتح، والفتح بداية الرجاء، والرجاء مسلك الضياء، فأن رأيتَ نبع ضوء فاقصده، فإن وصلت غنمت، وإن غنمت تنعّمت، وإن تنعّمت ترقّيت، وإن ترقّيت بُليت. الفقر لا يصنع العبد، قد يصنع المتمرّد، لكنه لا يصنع العبيد. الغوغاء والدهماء لا ثقة فيها، تصفّق لك ليوم وترميك بالحجارة غداً. من حبس نفسه فيما مضى من جوى وهوى، مات حيّاً ولم يُدفن في الثرى، وكم من حيّ ميت، وكم ميّتٍ حيّ. بصمة الروح النظرات. حين نعود إلى النبع، نكون نحن لا كما يريد غيرنا. اليأس يصنع الوحوش، ويُعمي العقول، وتتطرّف له الأفكار، وتمرض له القلوب، فيختلط في منطقها الحق بالباطل، والحقد بالانتقام، وتظن الثأر جهاداً.