" أنت لن تشعر بالعجز بعد الآن، و لن تملأ رأسك بركام أفكار لا تستطيع أن تراها حقيقة أمامك ، الآن جاء وقت الإعدام ، أنت لم تعد ذلك المثقف الواهم الملئ بالشكوك و النظريات الفلسفية المعقدة ، تلاشت كل المسئوليات ، لن تهتم و لن تدخل في مناقشات و لن تسمع مهاترات، ستحرق كل شئ لأنك لم تعد تؤمن بشئ ، انت الآن لا تنوي أن تثقل رأسك بأي شئ غير كثافة شعرك الأسود مثل الفحم."
مجموعة قصيرة .. وجميلة ومتميزة تنبئ عن كاتبة واعدة جدًا .. أحببت تقسيم المجموعة إلى ثلاث أقسام تبعًا لحالات القصص .. أعجبتني لغة الكاتبة التي تنحو في كثيرٍ منها إلى الشاعرية ..
قصة المجموعة "قبل أن تحترق" تلتقط فكرة ذكية جدًا وتعالجها ببساطة . أنتظر من سماء سـالم الكثير
. كان هناك مشكلة في تنسيق المجموعة أو إخراجها الداخلي رغم أنها عن دار نشر تهتم بمثل هذه التفاصيل .
المجموعة القصصية الاولى ... لسماء سالم ... تحتوى المجموعة على 12 قصة قصيرة مُقسمة أجزاء المجموعة الى ثلاث القسم الاول ... مشهد يتكون من 4 نصوص ... تصف مشهدا قائما بذاته فى تكثيف عالى ... نجحت الكاتبة فيه الى درجة كبيرة من حيث تكثيف النص وعدم أطالته أو أحتوائه على أى زوائد . بدأت المجموعة بقصة بديعة ... " لا بد أن تكتمل " قصة راقية للغاية بمشاعرها العذبة ... أستمتعت بها جدا . قصة " المتبقى منها " احد أجمل نصوص المجموعة ... كُتب بمزاج رائق ، بسرد بسيط وسلس تجذبنا الكاتبة لنتعرف على ماهية اللحظة التى تحياها الراوية و ما تعنيه لها القسم الثانى ... شغف يتكون من خمس نصوص كلها تُركز على فكرة الشغف و الوله بالشئ اى كان هذا الشئ " قصة تلك الهالة " أحد أجمل النصوص على الاطلاق وخصوصا بنهايته الكاشفة ... نص بديع. قصة " تصل مُتأخرة " يعبر عن حُب البنات فى فترة المدرسة لأستاذتهم ، لكن هذه المرة بسرد شائق دون السير فى دوائر مُفرغة لتلك الفكرة التى قُدمت كثيرا ً قصة " عمو رجب " نص أنسانى وجميل للغاية ، أستمتعت جدا بقرأته ، لا أبالغ أن قُلت أن هذا أجمل نصوص المجموعة على الأطلاق . قصة " عن الظلال والحزن " أعترف أنى أحب هذا النص منذ أن قرأته أول مرة على موقع الكتابة . القسم الثالث ... ها قد وصلنا فما قيمة كل هذا يتكون من 4 نصوص بدأتها سماء بنص " ذلك الأكتشاف الحزين " ... مبدئيا النص جميل جدا ومكتوب بشكل جيد للغاية ويكاد يكون أجمل نصوص المجموعة ... لكن طوال قرأتى لهذا النص كنت أشعر أن الكاتبة تأثرت بشكل بالغ بمحمد المخزنجى وتحديدا فى أحدى قصص مجموعة أوتار الماء ... لذا أرى أنه من المناسب جدا الاهداء لمحمد المخزنجى بوصفه ساحرا للقصة القصيرة . قصة " قبل أن تحترق " جميلة للغاية ... لا أجد كلام أكثر أقوله عنها صراحة . قصة " فريدة " سرد مُتقن للغاية ونجحت الكاتبة فيه بشكل مُتقن وتحديدا ً فى النهاية التى تحتوى على المُفارقة التى تم سرد الحكى من أجل الوصول لهذه النقطة . قصة " تخبط " أعجبنى النص بغموضه رغم أنى أعترف أنى أُصبت ببعض التوهة أثناء القراءة ، الا أن النص جميل بغموضه ومكتوب بشكل جيد جدا ً . المجموعة لغتها سهلة ورشيقة دون تقعير لغوى ، تتمتع الكاتبة بموهبة ملحوظة ... أتمنى لها الأستمرار لتُمتعنا بالمزيد . يلاحظ تأثر الكاتية بعشقها للكتب فقد تكررت فى أكثر من موضع فى النصوص .. وهذا شئ جيد للغاية لان الكاتب الحققيقى هو من يتأثر بما يُحب و البيئة المحيطة به .
قررت بلا سبب جليّ المرور بالمكتبة قبل الذهاب لموعد مهم ..قبيل الدخول سلّمت على صديقي المسئول عن المكتبة الذي سألني إن كنت جئت لحضور حفل التوقيع فرددت عليه قائلًا أنى لا أعرف شيئًا عن هذا الحفل! اكتشفت أن الحفل خاص بكتاب أردت اقتناءه منذ أيام عندما قرأت على غلافه الخلفي :
" أنت لن تشعر بالعجز بعد الآن، و لن تملأ رأسك بركام أفكار لا تستطيع أن تراها حقيقة أمامك ، الآن جاء وقت الإعدام ، أنت لم تعد ذلك المثقف الواهم الملئ بالشكوك و النظريات الفلسفية المعقدة ، تلاشت كل المسئوليات ، لن تهتم و لن تدخل في مناقشات و لن تسمع مهاترات، ستحرق كل شئ لأنك لم تعد تؤمن بشئ ، انت الآن لا تنوي أن تثقل رأسك بأي شئ غير كثافة شعرك الأسود مثل الفحم."
فأسرعت بشراء نسختي و استأذنت الكاتبة بتوقيع نسختي قبل بداية الحفل لاضطراري المغادرة في أقرب وقت و قد أذنت لي مشكورة .
هذا ما يخص الاقتناء ، أما ما يخص القراءة :
فقد أعجبتني كثيرًا المجموعة القصصية لبساطتها و صدقها و دقة وصفها الذي جعلني أستعيد أجواءً كثيرة تبدو غير موجودة في حروف النص المقروء ، لكنها بالتأكيد كانت حاضرة في روحه.. لست متأكدًا من دقة المراجعة اللغوية لكن المجموعة بشكل عام مكتوبة بلغة فصيحة و بسيطة في نفس الوقت بلا تَزَيُّد و لا تقَعُّر.. ما أثار حفيظتي في بعض القصص هو الاستغراق في الرمزية و لو أن بعضًا منها قد حول بعض القصص إلى أحجيات رقيقة تفاجأ بحلها في السطور الأخيرة . مبروك على الكاتبة مجموعتها الأولى و في انتظار المزيد.
بالتأكيد نجحت في شد انتباهي وإرغامي على العودة للمجموعات القصصية وأنا التي لا أذكر آخر مرة زرت فيها عالم القصة القصيرة بكل صعوبته ورمزيته وألغازه ولذته ومذاقه المتسارع المختلف بشدة عن حياة الرواية التي تستضيفك لتعيش بين جوانبها لأيام. بدأت القراءة يوم حفل التوقيع ولكني بدأتها اليوم من جديد خلال رحلة قطار لأنتهي من الكتاب في جلسة واحدة. قد يكون كتاباً صغيراً رشيقا كصاحبته ولكنه أبداً ليس بسيطاً أيضاً كصاحبته. :) كل قصة لها مذاق وروح تذهب بك إلى عالم مختلف تماماً عن سابقتها. قد أكون وجدت صعوبة في تتبع بعض القصص لعدم وضوح السياق بسبب التأرجح والغموض بين عدة شخصيات أو طبقات وقد يكون السبب يرجع إلي أنا ولكن مع إعادة القراءة كانت تصل المعاني بشكل أوضح. أسلوبك وسردك بالتأكيد ينم عن موهبة ويبشر بمستقبل باهر في عالم الكتابة. أمتعتني وأتمنى أن أقرأ لك وعنك الكثير. :)
"فكل شيء الآن مستقر وبارد" ربما تعد هذه الجملة التي اختتمت بها سماء سالم قصتها الآخيرة في مجموعتها هي الخيط الرفيع الذي يجمع كل القصص ببعض، بذات النهايات الباردة، ذات الوجع الساقع، وبأبطالها الوحيدون المتوحدون بحزنهم. بلغةٍ شفيفة تلوح من وراءها روح شديدة الخفة تقص علينا سما قصصًا تدخلك في عالمٍ من الموسيقى، الموسيقى التي كانت متواجدة في أغلب قصص المجموعة والتي بدت، بصورةأو آخرى، صورة أخرى للغة الكاتبة. لغة إنسانية ورومانسية وبالغة الشفافية، ومجموعة تدخلك في حالة بين الهدوء والحزن. ربما شعرت في بعض الأحيان بالتوهة بين شخصيات العمل الواحد، لكنها مجموعة جميلة وتستحق القراءة مرة أخرى.
المجموعة كعمل اول جيدة ...فيها جهد واضح و لغة جميلة و تفكير مخطط .. لكن لغتها و شخصيتها لم تحمل لي جديد .. تتربع علي عرش المجموعة. .قبل أن تحترق و تخبط... شعرتأن الكتابة تبدع اكتر قريبا من ذاتها عالم الكتب .. في انتظار القادم