هذا الكتاب "يحيى حقي.. ذكريات مطوية" التي رواها لابنته نهى يحيى حقي، وتلميذه ابراهيم عبدالعزيز، هو الجزء الثاني من السيرة الذاتية للأديب الكبير بعد الجزء الأول "خليها على الله". وهو في هذا الجزء يكشف عن جانب مجهول من حياته قد لا يعرفه إلا القليلون، وهو فترة عمله كدبلوماسي في وزارة الخارجية في عواصم عربية وأجنبية، وهو لا يكتفي بمجرد سرد ما حدث في دهاليز السياسة وما وراء الستار، ولكنه يتأمل ويحلل ويراقب ويقدم لنا خلاصة تجربته، ولا يفوته كأديب عمل بالدبلوماسية، ان ينهل من منابع الأدب والفن والثقافة في مختلف العواصم التي عمل بها، وقد تمنى يحيى حقي أن يكون مؤرخًا، وهو يمارس هذه الرغبة خلال هذه صفحات هذا الكتاب الذي تمنى أن يكون بين يديه لولا أجله المحتوم الذي جعله الله بين يدي.
هذه الذكريات الخاصة بتجربة العمل الدبلوماسي للأديب يحيى حقي، يرويها على لسانه كل من ابنته الوحيدة “نهى”، وتلميذه “ابراهيم عبدالعزيز”، وبذلك يكون هذا الكتاب، هو الجزء المُكمل لكتاب “خليها على الله”، الذي اشتمل على ذكرياته عن عمله الإداري في صعيد مصر في عشرينات القرن العشرين. *** للأسف، إخراج الكتاب تم بطريقة متواضعة، حيث تعددت الأخطاء المطبعية، وتكرر وضعُ علامات التنصيص والأقواس في غير محلها الملائم، ودخول بعض العبارات والمفردات العامية وسط الحديث باللغة العربية، دون تنسيق، كل هذه الأمور لم تذهب بالفائدة التاريخية والتوثيقية التي سجلها يحيى حقي عبر تجربة العمل في السلك الدبلوماسي المصري. *** أولى المحطات الدبلوماسية كانت في القنصلية المصرية جدة، واستمرت حتى عام 1930م، بعد عامين من العمل كأمين لمحفوظات القنصلية. ثاني المحطات كانت اسطنبول، إبان حقبة التغريب القسري التي اتبعها مصطفى كمال، وانتهت عام 1934، بعد أربع سنوات من العمل ومن التجارب القوية عمليًا وشخصيًا. ثم كانت روما ثالث محطات العمل الدبلوماسي، والتي انتهت مع اندلاع الحرب العالمية الثانية. ثم قضى أ.حقي 10 سنوات في مصر، وفي عام 1949م، نقل إلى باريس. ثم في عام 1951م، نقل إلى أنقرة، وشهد خلالها فترة عودة الإسلام، وقيادة عدنان مندريس لتركيا. ثم أخيرًا نقل إلى ليبيا عام 1952م، وهناك انتهت مسيرته الدبلوماسية الخارجية عام 1954م. *** وبالإضافة لما يسجله حقي من ذكريات عن الأجواء السياسية، يسرد لنا جانبًا آخر شغف به، وهو حضور الحفلات الموسيقية والمسرحيات، وقراءة الأعمال الأدبية بلغاتها الأم قدر ما أمكنه ذلك، وذلك بعد تعلم لغاتها، كما فعل ذلك في فرنسا وإيطاليا، وتركيا، ورغم أن أصول عائلته تعود إلى تركيا، إلا أنه لم يكن يتحدثها ولا يعلم عنها شيئًا قبل وصوله لاسطنبول في المرة الأولى. *** ومن أهم الانطباعات التي ركّز حقي في حديثه عليها، العلاقات بين المصريين في الخارج، وما تشوبها من حقد وكراهية وسوء معاشرة، قال ذلك في مكة وفي غيرها، عندما لاحظ النفور بين المصريين، وانتشار الدسائس فيما بينهم في غربتهم عن بلدهم، في وقت يحتاجون في إلى التعاضد والتعاون.
ومن الانطباعات الدبلوماسية التي ذكرتها آنفًا، تواضع المستوى التمثيلي للسفارات العربية في الخارج، وعدم وضوح الرسالة التي يحملها أفراد السفارة، فالعاملون في السفارة لا يؤدون سوى أعمال إدارية روتينية كما هو الحال في إحدى إدارات الدولة المحلية، دون بذل جهود في الدفاع عن مصالح الدولة والتعبير عن رؤاها في القضايا المختلفة، ودون بذل جهود في الاطلاع والتنقيب عن مواقف الدول الأجنبية وسياساتها الداخلية والخارجية ذات الصلة بالبلدان العربية. ومن الفوائد التي قد لا تجدها في كتب التاريخ والسياسة، الانطباعات عن الشعوب المختلفة التي عاش في وسطها يحيى حقي، فنقل تجربته بعيدًا عن المجاملات الدبلوماسية، وعن التحيزات السياسية. ومن الانطباعات التي خرج بها ذات أهمية بالنسبة إلي، وهو وضع الفنون الشعبية في الدول الاشتراكية، حيث يرى حقي أن “الفنون الشعبية تزدحم في النظم الاشتراكية لأن فيها ممالأة للشعب، وتقربًا إليه”، وهو يقرر أن الفن إنما هو إنتاج فردي، أما الإنتاج الجماعي فرغم جمالياته، إلا أنه لا يرقى إلى “إنتاج العبقرية الفردية”، وأذكر أنني قرأت في كتاب “الإسلام بين الشرق والغرب” قراءة مماثلة عن دور الفن في النظم الاشتراكية، قررها الرئيس علي عزت بيجوفيتش، وإن كان بيجوفيتش تناولها بشكل أكثر دقة، حيث يُفرق بين “الثقافة الشعبية” و“الثقافة الجماهيرية”.
هذا الكتاب هو بمثابة الجزء الثاني لسيرة الأديب و"الدبلوماسي" المصري، يحيى حقي، (خليها على الله) كتبه تلميذه، إبراهيم عبدالعزيز، وجاء كسؤال وجواب، يغلب عليه ذكرياته في السلك الدبلوماسي التي بدأها بجدة، ثم اسطنبول في عز تحول تركيا من دولة إسلامية إلى علمانية في عهد أتاتورك، فايطاليا، فأنقرة، فليبيا التي ختم بها العمل الدبلوماسي.. سجل تاريخي في حقبة مهمة، وبأسلوب سردي جميل وخفيف.. ٢٤٣ صفحة