"...لا مكان في قلبي ولا في قلب نوارة لذرة شفقة (...).انتهى زمن الشفقة والانفعال الغبي أمام الألم. الألم هو القوة الحقيقية الواحدة لا شيء يوجد خارج الألم والايلام, إما نتألم أو نؤلم الباقي لا شيء ...الشفقة أم الضعف وابنته في آن, لا مجال في مدينة الانصاف السفلى لشفقة او للتعويل على عدالة ارضية او سماوية قد تأتي او لا تأتي. العدالة نقيمها هنا في مدينتنا ونأخذها بأنيابنا وأظافرنا, نقيمها وسط صرخات المجرمين وأوجاعهم. هذه رحى مدينتنا وهذا شكل الدوران فيها. تغسلنا صخور المدينة أنا معلمتي من ارتخاءات الشفقة والغفران وتعمر دواخلنا بشراسة وحشية لذيذة تسري مع دمائنا وأنفسنا.(...)"
آمنة الرميلي الوسلاتي روائية وباحثة تونسية، تشغل منصب أستاذة للأدب والنقد في كلية الآداب والعلوم الإنسانية بسوسة. وأعمال الرميلي تتنوع ما بين مجموعات قصصية وروايات أدبية.
حصلت على شهادة الكفاءة في البحث عام 1990، وعلى شهادة الدراسات المعمقة عام 2005، وعلى شهادة التبريز عام 2006، كما حصلت على درجة الدكتواره عام 2010. تدرّس الأدب والنقد بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بمدينة سوسة. تتحرّك ما بين نوعين من الكتابة: السرد والبحث الأكاديمي، إلى جانب نوافل في القول مثل المقال الفكري والسياسي. تنتمي إلى وحدة البحث الإنشائي بكلية الآداب بسوسة وعضو بهيئة تحرير مجلة (الفكرية) التي تصدر عن دار صامد.
مدينة الأنصاف السفلى ليست من الروايات التي تُقرأ للمتعة أو التسلية، بل من تلك الكتب التي تُتعبك وأنت تقرأها، ثم تظل معك بعد أن تنتهي. رواية ثقيلة، موجعة، لكنها صادقة، وتضع القارئ في مواجهة مباشرة مع العنف، والعدالة، والجسد، والصوت.
منذ الصفحات الأولى، شعرت أنني لا أقرأ حكاية بقدر ما أدخل عالمًا مظلمًا لا يمنحني مسافة أمان. آمنة الرميلي تبني مدينة متخيلة قامت على أنقاض الدم والعنف، اجتمعت فيها نساء من كل الخلفيات: من المدن والقرى والضواحي، الطبيبة، والحقوقية، والمرأة الريفية. هذه المدينة ليست مجرد مكان، بل محاولة يائسة لبناء عدالة بديلة بعد فشل القانون في إنصاف الضحايا.
الشخصيات مكتوبة بصدق إنساني مؤلم. شخصية عفيفة كانت الأكثر إيلامًا بالنسبة لي، موجعة إلى حد الصمت، دون أن يقلل ذلك من قوة بقية الشخصيات. أما نوارة الكر، المرأة الريفية، فتمثل صورة امرأة الأرض؛ لم تتعلم في المدارس، لكنها امتلكت حكمة الحياة والطين والمدينة. وخضراء هي القلب الحقيقي للرواية: شخصية ضعيفة ظاهريًا، لكنها ترى الحقيقة كاملة، وتتغير دون أن تنهزم.
العنف في هذه الرواية ليس مجرد حدث، بل هو ثيمة أساسية، يكاد يكون شخصية بحد ذاته. وهو عنف لا يستهدف فئة واحدة؛ فالمرأة الريفية، والمدينية، والمتعلمة، والجاهلة جميعهن معرضات له. ومع ذلك، لم أشعر أن الرواية تهاجم الرجال، بل تنتقد الذكورة كمنظومة، وتكشف التوحش الإنساني، سواء كان ذكوريًا أو أنثويًا، في بعد جندري واضح.
الجسد الأنثوي هنا ليس مساحة رغبة، بل ميدان صراع وسلطة. مشاهد التشويه وقلع العين والاغتصاب كانت قاسية جدًا، لكنها لم تُكتب للصدمة فقط، بل كرموز لمحاولة محو الرؤية وإسكات الشهادة. اللافت أن الرواية تقلب هذا المنطق؛ فخضراء، بعين واحدة، ترى أكثر، ويتحول الجرح إلى بصيرة.
ولا تكتفي الرواية بتشريح العنف، بل تطرح برنامجًا اجتماعيًا وإنسانيًا واضحًا: كيف نحتضن المرأة المعنفة؟ وكيف نعيد تأهيلها لتستعيد توازنها النفسي؟ فالمرأة لا تستعيد حقها أو مكانها في المجتمع الذكوري عبر الانتقام، بل عبر استعادة صوتها، صوتها الأصيل لا الصوت بالنيابة. تؤكد الرواية على أهمية الحكي بوصفه طقسًا تطهيريًا وعلاجيًا ورمزيًا، وكانت الكاتبة واعية بذلك حين منحت الصوت السردي للمرأة دون الرجل بذكاء ووعي كامل. فالمرأة هنا هي من تتكلم، وتسرد، وتحكي، وتكتب ذاتها، وتسترد جسدها وصوتها المقموع.
لغة الرواية عنيفة وصادمة، وأحيانًا مرهقة. في بعض المقاطع شعرت أن التوحش كُتب بتوحش زائد، وهو ما قد لا يناسب جميع القراء، لكنه يخدم رؤية النص. النهاية جاءت مغايرة لتوقعي، وأعادَتني من وهم المدينة العادلة إلى الواقع، مؤكدة أن مدينة الأنصاف السفلى ليست سوى نتاج عقل جريح، وأن بقاءها لم يكن ممكنًا.
الخلاصة: مدينة الأنصاف السفلى رواية موجعة، غير مريحة، لكنها ضرورية. ليست رواية عن النساء فقط، بل عن عالم يصنع العنف ثم يتبرأ منه، وعن عدالة غائبة، وذاكرة مثقلة بالصمت. خرجتُ منها متعبة، لكن أكثر وعيًا، وهذا وحده سبب كافٍ لأمنحها أربع ن