مبدئيًا هذه رواية بائسة عن حيٍّ بائس عن الفتى يوسف الذي اجترع مرارات الحياة بكل تصانيفها، و وقع تحت وطأتها بعد ان صارعها فغلبته، واعطته بعضًا من الأمل ثم اختطفته. تبدأ حكايتنا بولادة يوسف عام ١٩٧٥ في حي غليل الذي يُعتبر من أعرق الأحياء الشعبية في جدة، وتنطبق معالمه على باقي الحارات التي كانت منتشرة في ارجاء المدينة، ضيق شوارعها، كثرة أزقتها، بيوتها الآيلة للسقوط، مياه المجاري المنتشرة في الأرجاء، وهذه العشوائية في المكان تطبع بطابعها كل من يسكن فيها فيشعرون بالانتماء لمشاعر التيه التي تجمعهم. وفي هذا المكان يرى يوسف النور وتأتي فجيعته الاولى قبل أن يعي الدنيا؛ تفجعه الحياة بوالديه وهو مازال في الخامسة من عمره، عاش في كنف عمه الذي عطف عليه لوقتٍ قصير فأدخله المدرسة، وفيها يتعرف على الاستاذ الذي يمنحه حب الأب الذي افتقده لمدة خمسة سنوات قبل ان يتقاعد، وبعد تقاعده يفقد يوسف النور الذي أنار طريقه والأمان الذي اعتاده برفقته، فأهمل نفسه وكل ما حوله، ويجيء اليوم الذي يقرر عمه فيه طرده من بيته برغبة زوجته التي لم تكن تطيق رؤية يوسف، وهنا شعر أنهُ طُرد من الحياة نفسها. وفي هذه اللحظة صار يوسف هراً؛ لا بيت له، منحه الشارع حريته وجعله يشعر انه ليس عبئًا على أحد، في الأزقة والملاعب والمركاز لا أحد يطالبه بالرحيل؛ يعيش في أرض الله الواسعة. تتقاطع حياة يوسف مع حياة باقي شخصيات الرواية التي سترسم مسار حياته، وهم ابناء وضحايا لنفس المكان ونفس المجتمع؛ منهم من قرر الاستسلام ومنهم من قرر المواجهة ومنهم من وجد طريق بديل، ومن هؤلاء سيعرف المبدأ الذي يحكم البشر وهو أن في هذه الدنيا لا أحد يدفع مقابل لا شيء. عانى يوسف من دمامة وجهه، و هذا الشيء سجن نفسه وقيَّد فرصه. فقد الأمل بأن يحظى بإلتفاتة من النساء له بسبب تعليق جارح من احدى الفتيات في صغره، وحينما ألتفتت له احدى الفتيات كانت هذ الالتفاتة لمصلحة وليست حبًا فيه او تقديراً لانسانيته، فاستلب منه معنى الحب او الاعتراف بوجوده. بعد الخيبات والهزائم والانكسارات المتوالية؛ اختار يوسف الجنون بكامل إرادته وأن ينسحب باختياره من هذا المجتمع الذي لا يرحم، وبقاءه فيه هو انتحار بمحض ذاته، لقد أمّن الجنون له البيت الذي بحث عنه طوال حياته ولم يجده.
هذه الرواية كُتبت ببراعة، أحيّت الذكريات وأعادت تفاصيل تحمل الحنين لمن سكن في تلك الحارات، وهي في نفس الوقت صرخة بصوت المهمشين الذين دهستهم الحياة.
بدأت قراءة الرواية حوالي الساعة 8 صباحًا، انتهيت منها حوالي الساعة 11 صباحًا، 271 صفحة، ممتعة للغاية، انتهيت منها وأتسائل في نفسي كم يوسف يعيش بيننا؟ يوسف بطل الرواية. المغلوب على أمره، يتيم، يعيش في بيئة صعبة من إقصاء زوجة عمه له، لتهكم بيئته فيه وحرمانه من أبسط حقوقه. شخصيات الرواية موجودة في كل مجتمع، تقدر تسقطهم على محيطك بكل بساطة، إلا ماتلقاهم حولك وحواليك! العم اللي يخاف من زوجته، المعلم الحنون الرؤوف الرؤوم، الصاحب اللي عنده نزعات شيطانية إلا إنه يوقف معاك وقفات رجل! زعيم الحارة البلطجي اللي ياخذ كل شيء بالقوة وبالتصفيق، الحبيبة اللي تجي فجأة وتختفي.. بدون مقدمات أو مبررات. ترعرع وكبر على إنه يسكت ويمشي ويعدي، لو على حساب نفسه، وانتهى بإنه يكون في مستشفى المجانين، فضّل حياة المجانين على حياة العقّال! تمنيت يكون في تفصيل أكثر عن حياة الحبيبة "عبير"، وتفاصيل أكثر عن بنات العم، وكيف وضعهم في غٌليل، ياسين وهجرته للخارج، وتفاصيل أكثر ورواية أطول!