أحاط بتاريخ الدعوة الإسماعيلية كثير من الغموض والسرية، ربما كانت مطلوبة في وقتها ولكنها ساعدت على تكون هالة من الخرافات والتشويه حولها، فلم تكن أفكارها وعقائدها معروفة لغير قلة من أتباعها، لأنها دعوة باطنية تأويلية، معظم نصوصها الفكرية مقدسة لا يسمح باطلاع العامة عليها، إضافة إلى السرية التي أحاط بها الإسماعيليون أنفسهم نتيجة الاضطهاد العباسي مما شكل هوة فصلت بينهم وبين جمهور الأمة، وكانوا كلما اشتدوا بالتكتم اشتد بعدهم عن محيطهم. والآن وبعد أن تخلص الإسماعيليون من عهد التقية والتستر بدأوا بخطى ثابتة بنشر تراثهم الديني ليكون في متناول الجميع بدون أي خوف عليه أو خوف منه. وهنا نضع في متناول القارئ بعض النصوص الدينية الإسماعيلية التي كانت في يوم ما في منتهى السرية لأنها تعد في منتهى القداسة، وقد تم اختيارها بعناية لتكون شاملة لمعظم مناحي التراث الفكري الإسماعيلي وأفضل ما يعطي صورة حقيقية عنه.
كاتب ومؤرّخ سوري ، من مواليد حمص 1944 م ، حصل على الاجازة في التاريخ من جامعة دمشق
وشهادة الماجستير ، والدكتوراة من الجامعة اللبنانية في العام 1978م في تاريخ العرب والإسلام في
يعمل أستاذاً في مادة التاريخ - كلية الآداب - جامعة البعث - حمص . وهو صاحب مشروع ثقافي كان في البداية مهتما بدراسة العلاقات الدولية فرسالته للدكتوراه كانت بعنوان “العلاقات الدولية في عصر الحروب الصليبية” وقد أعدد بعدها سلسلة من أربعة كتب عن العلاقات الدولية في العصور الوسطى ثم أخذ اهتمامه يتوسع بدراسات الأديان حيث بدأت من الهند مع كتب عن.. الهندوسية والجانتية والبوذية ثم الزردشتية وبعدها أصدر كتابا عن البهائية كما قدمت عددا من الدراسات التاريخية والتراثية مثل.. العصر الأيوبي- نهاية الدولة العثمانية -ابوفراس الحمداني وقبيل نحو سنتين وبعد استفحال أمر التطرف الديني قرر البدء بمشروع متكامل في علم الأديان المقارن من خلال دراسات نقدية مقارنة لبعض الكتب المقدسة.
أما مشروعه الحالي وهو عن علم الأديان المقارن ويصدر تباعاً في سلسلة بعنوان سلسلة كتب مقدسة ، تكمن أهمية هذا المشروع من كونه يهدف من خلال التحليل والنقد العلمي وإعادة ترتيب الأفكار والمعتقدات بكل شفافية وتجرد ليصل مع القارئ إلى نتيجة كاملة الوضوح بأن الأديان جميعها من منبع واحد وأن روحها هي الأخلاق وأن غايتها راحة النفس البشرية.. وأطمح من خلال هذا العمل أن أتمكن من تشكيل نواة أو أساس لعلم أديان مقارن بعيدا عن التعصب والآراء المسبقة وأنا أرى أننا الآن كما في كل المجتمعات المعاصرة بحاجة لهكذا عمل إذا أردنا أن نستمر في العيش معاً في هذا العالم.
::انطباع عام:: ========= العجــــــــز عن درك الإدراك إدراك ... والبحث عن كنه الذات إشراك والكشف عن مستجدات الغيوب عمى ... عليه من ظلمات الجهل أفلاك - الإمام عليّ (ص)
كان من المدهش الاطلاع على هذا الإرث الثقافي والديني الذي ظل لمئات من السنوات طي الكتمان ولا يتم تداوله بين معتنقيه إلا في جو من السرية والخوف. يمكنك إدراك مدى إيمان معتنقي هذا المذهب وصدقهم في نقل موروثهم الديني والثقافي إلى الأجيال القادمة عبر حفظ هذه الكتب الخاصة بهم والحيلولة دون ضياعها؛ على الرغم من حملات الاضطهاد والإقصاء والترهيب التي تعرض لها أتباعها. شعرتُ بخشوع خاشع وأنا أقرأ متن الأرجوزة للصوري: حيث تُعدّ من أقدم المصادر التي تقدم معلومات هامة عن المعتقدات الإسماعيلية الباطنية، ولأهميتها بلغت حد القداسة وكانت تُحفظ غيبًا ولا تدوّن ويتناقلها الدعاة ويحافظون على سريتها وعدم تداولها بين العامة حتى بين أتباع المذهب العوام! لهذه الدرجة، أنتَ أمام نصوص مقدسة، نصوص لها أهميتها عند أقوام مسلمين لديهم منظومة فكرية فلسفية مميزة وزاخرة بالجمال والروعة. يبدو واضحًا تأثر الفلسفة الإسماعيلية بالأفلاطونية المُحدثة، من خلال نظرية الفيض (الانبعاثات) التي تعرف لدى الفرق الصوفية (ابن عربي مثالاً) بنظرية الفيض الإلهي، فالعقل هو فيض ربّاني للإنسان، وبعده في ترتيب الأهمية تأتي النفس، ثم الهيولي، ثم الطبيعة ثم الجسم المادي: "فكل ما يجري على اللسان ... من سائر الأفكار والأديان وسائر الأسماء والصفات ... للمبدع الأول لا للذات." - أرجوزة الصوري في الواقع، شعرتُ بهذا الجلال وأنا أتتبع تلك النصوص من المذهب الإسماعيلي خصوصًا الذي هو دعوة باطنية تأويلية، ومعظم نصوصها الفكرية هي نصوص مقدسة لا يُسمح باطلاع العامة عليها. لكن الإسماعيليون يقولون بأنهم مسلمون يؤمنون بالله الأحد، وبمحمد كآخر الرسل، وبالقرآن كتابًا لهم، وبوجود إمام من آل البيت ذي سلطة روحية ودينية يقود المسلمين. *** ::في سطور:: ======== هذا هو الكتاب الأول من سلسلة نصوص مقدسة المنشور عن دار صفحات وبدراسة مقارنة وتقديم من الدكتور منذر الحايك. يهدف هذا المشروح لنشر النصوص المشهورة من الفرق الإسلامية المعروفة وبالتالي فتح أفق التلاقي والتعارف بين أهل الدين الواحد، والاطلاع على الإرث الثقافي الديني الزخم عند تلك الفرق، ومجهودات أصحابها في نقلها من جيل إلى جيل. تمكن البعض من أهل الإسماعيلين في الوقت الحديث من نشر بعض النصوص السرية من مخطوطات قديمة من كتب الدكتور عادل العوا في دمشق عام 1958؛ والدكتور مصطفى غالب في بيروت عام 1998. *** ::الكتاب:: =====
يتكون الكتاب من مقدمة تعريفية بالمذهب الإسماعيلي وظروف نشأته وأفكاره الأساسية. ويقدم (5) كتب إسماعيلية سرية تجعل القارئ يتعرف على روح هذه الفرقة وأفكارهم الغزيرة: (1) تربية المؤمنين للقاضي النعمان: كان أسلوبه وعظي وإيماني جدًا ويطرح التفسيرات الباطنية لكل الظاهر (2) المصابيح في إثبات الإمامة لحجة العراقين أحمد حميد الدين الكرماني: كان أسلوبه فلسفي يتبع منطق أرسطو الحججي (3) جلاء العقول وزبدة المحصول لداعي الدعاة علي بن محمد بن الوليد: كان أسلوبه أدبي ونثري ومتكلف لدرجة كبيرة (4) أرجوزة الصوري وهو الداعي الإسماعيلي الأجل محمد بن علي بن حسن الصوري: كان أسلوبها شعري تعليمي توجيهي وفلسفتها مبنية على أسس الأفلاطونية المُحدثة (5) زهر بذر الحقائق الهادية إلى أرشد الطرائق لحاتم بن إبراهيم الحامدي: كان أسلوبه مجرد مسائل وأجوبتها *** ::التفاسير الباطنية الإسماعيلية:: ================ تمثل التفاسير الباطنية الإسماعيلية رؤية خاصة لفهم النصوص الدينية الإسلامية، تقوم على الاعتقاد بأن للقرآن معاني خفية لا يدركها إلا الأئمة، وأن هذه المعاني تُكشف عبر التأويل العقلي والرمزي، ما جعل الإسماعيلية تُعرف تاريخياً بـ"الباطنية": والتفاسير الباطنية الإسماعيلية هي نمط من تفسير القرآن الكريم يعتمد على تأويل النصوص الدينية تأويلاً باطنياً، أي البحث عن معانٍ خفية وراء الظواهر اللفظية للآيات، بحيث لا يقتصر الفهم على المعنى الظاهر، بل يُعتقد أن هناك طبقات أعمق من المعنى لا يدركها إلا الأئمة أو العلماء المختارون من الإسماعيلية. فيعتقد الإسماعيليون أن لكل نص في القرآن ظاهرًا (المعنى الحرفي المتاح للجميع) وباطنًا (المعنى الخفي الخاص)، وأن الوصول إلى الباطن يحتاج إلى علم خاص يُودعه الأئمة في كبار الدعاة. وهكذا يركز التفسير الباطني على الرموز والإشارات، ويعتبر أن حقائق الوجود مخفية خلف النصوص، ولا تُكشف إلا لمن بلغ مرتبة معرفية وروحية عالية. ومن يستطيع سبر أغوار البواطن هو يُعتبر الإمام عند الإسماعيلية فهو المرجع الأعلى لفهم الباطن، ويُعتقد أنه وحده أو من يُنيبه قادر على الكشف عن هذه المعاني. على الرغم من ذلك، لم يُعرف عن الإسماعيلية وضع تفسير شامل للقرآن الكريم، بل غالبًا ما يفسرون موضوعات أو آيات مختارة تبرز فيها رمزية الباطن. من أشهر كتبهم التي تناولت التأويل الباطني: ("كنز الولد") لإبراهيم بن الحسين الحامدي، ("رسائل إخوان الصفا") التي تمثل فلسفة إسماعيلية باطنية شاملة ومثيرة للاهتمام للدارسين بشكل كبير.
أمثلة:- الطهارة: لا يُفسرها الإسماعيليون بالوضوء أو الغُسل المعروف، بل يعتبرونها التنظف من المذاهب الأخرى. الصيام: لا يُفسرونه بالامتناع عن الطعام والشراب، بل بالامتناع عن كشف أسرار المذهب. الزنا: يُؤولونه بإلقاء نطفة العلم الباطن في نفس من لم يعقد معه عهد البيعة، وليس بالفعل الجنسي المعروف. الأرقام: للأرقام دلالات رمزية خاصة، مثل الرقم 7 الذي يُرتبط بالسموات والطبقات وغيرها من الرموز الكونية (السبعية هي المذهب الإسماعيلي كذلك) *.*.*.*.* ::ملحق خاص غير موجود في الكتاب:: ====================
سيكولوجية الإسماعيليين في التقية والسرية وإخفاء الأفكار بسبب الاضطهاد السياسي: إن التقية والسرية مبدآن أساسيان في تاريخ الإسماعيلية، نشآ وتطورا كرد فعل مباشر على الاضطهاد السياسي والديني الذي واجهته الجماعة منذ نشأتها، خاصة في ظل حكم العباسيين وغيرهم من السلطات المعارضة.
(1) الخوف من البطش والاضطهاد السياسي: تعرّض الإسماعيليون على مدى قرون لملاحقات عنيفة من قبل السلطات السنية، خصوصاً العباسيين، الذين سعوا لاكتشاف هوية الأئمة واغتيالهم، ما دفع الأئمة وأتباعهم إلى التخفي والعمل السري. (2) حماية الذات والجماعة: نشأت لدى الإسماعيليين حاجة نفسية جماعية لحماية أنفسهم وأئمتهم مصدر أمانهم النفسي، فصار إخفاء العقيدة والرموز جزءًا من ثقافتهم الدينية والاجتماعية، وأصبح التزام السرية والتقية سلوكًا دفاعيًا تلقائيًا. (3) الحفاظ على استمرارية الدعوة: أدرك الإسماعيليون أن البقاء في قيد الحياة كجماعة دينية متميزة يتطلب العمل بسرية تامة، خاصة في فترات الستر حين كان الأئمة مختفين، وكان التواصل يتم عبر الدعاة الذين ينقلون التعاليم بسرية. (4) التماسك الداخلي: أدت السرية إلى تعزيز الانتماء الداخلي والولاء للجماعة، حيث أصبحت المعرفة الدينية والطقوس محصورة بين نخبة مختارة، ما عزز الشعور بالخصوصية والتميز، وفي الوقت نفسه زاد من الحذر تجاه الغرباء.
(5) التخفي والتمويه: كان الأئمة والدعاة يخفون هوياتهم الحقيقية، ويستخدمون أسماء مستعارة أو يحيون في أماكن بعيدة عن الأنظار. (6) تشفير التعليمات: تم تطوير نظام تعليمي وطقوسي سري، لا يُكشف إلا للمبتدئين بعد اجتيازهم اختبارات الولاء والسرية. (7) الانتقاء في نقل المعرفة: لم تكن الكتب والمعتقدات متاحة للجميع، بل كانت محصورة في دائرة ضيقة من الدعاة والمقربين، حفاظًا على سرية أفكارهم. (8) التقية في السلوك اليومي: كان الإسماعيليون يظهرون في المجتمعات العامة بمظهر المسلمين السنة أو الشيعة الآخرين، ويتجنبون التصريح بعقائدهم الخاصة، وهو ما جعلهم في بعض الأحيان عرضة للاتهام بالنفاق أو الخداع من قبل خصومهم.
(9) القلق واليقظة الدائمة: أدت عقود من السرية والخوف إلى تطوير حالة من الحذر الشديد واليقظة المستمرة لدى الأفراد، ما انعكس على سلوكهم الاجتماعي وحتى على علاقاتهم مع غير الإسماعيليين. (10) الازدواجية في الهوية: عاش كثير من الإسماعيليين بهويتين متوازيتين هوية ظاهرة تتوافق مع المجتمع المحيط، وهوية باطنية خاصة بالجماعة، ما أثر على سيكولوجيتهم الفردية والجمعية. (11) المرونة والتكيف: طورت الجماعة قدرة عالية على التكيف مع الظروف المتغيرة، واستخدام التقية كأداة للبقاء، مع الحفاظ على جوهر العقيدة عبر الأجيال. *.*.*.*.*