اللغة ميدان صعب عوائق الممارسة العلمية فيه كثيرة، فلا تكاد تذكر (اللغة) إلا واستدعى الذهنُ العقبة الأبرز في وجه الممارسة العلمية، أعني هنا الخصوصية التي يفرضها وقع هذه الكلمة في نفس المنتمي لهذا اللسان أو ذاك، ذلك أن اللغة وثيقة الصلة بهوية هذه الجماعة أو تلك. فكيف ستكون دراسة اللغة علمية والحال هذه؟ وقد أثبتت لسانيات تشومسكي جدارتها في مرحلة ما من تاريخ العلم بمعالجتها لكثير من الإشكالات إذ تجاوزت الكلام بوصفه معطى من معطيات ما يسمى اللغة، إلى اللغة نفسها بوصفها خصيصة بشرية ومعطى ذهنيا لا يختلف فيه البشر. والعراق من أوائل من رفد حقل اللسانيات في الوطن العربي بترجمات قيمة، وكان للسانيات تشومسكي نصيب منها، مما فتح الباب للتعاطي معها، وصارت تدرس في الجامعات العراقية، حتـى رأينا أن نفرد لها دراسة، تستجلي مضامينها وأطروحاتها، وتقف على مدى استيعابها للسانيات تشومسكي، وكيف تلقتها ووظفتها في السياق العربي. ولأن الرسائل والأطاريح صادرة عن وعي منهجي، ومنجزة في وسط أكاديمي له شروطه العلمية، فإن هذا يجعل من الممارسة النقدية عليها أكثر جدوى، وأقرب إلى الانضباط، وأبعد عن التشتت. ونحسب أن دراستنا هذه تمثل استجابة لمتطلبات الفعل النقدي لهكذا نوع من الدراسات، في محاولة للخروج برؤى نقدية، علها تصحح مسارًا، أو تقوم معوجا، أو تثير تساؤلا يمكنه أن ينتج نقاشا مثمرا. المؤلف