قرأت كتاب الأشياء الواقفة في غرفة 9 لـ استبرق أحمد ، مقتحمة أرض العناوين المحفزة ، الموغلة في وضوح الغموض ، فلمَ الأشياء واقفة ؟ و لماذا الغرفة 9 تحديدا ؟
هذا الكتاب ر مم علاقتي الخجلى و المتحفظة بالنصوص المفتوحة ، تلك النصوص المتحررة من ربقة الزمان والمكان أحيانا ، أو الفالتة من فلك الحدث المرتب اللائق بقصة ، تلك النصوص كانت تستفزني ، و تجبرني على الوقوف في منطقة على حدودها ، غير بعيدة .. ولكني لست قريبة أيضا .
بالطبع أحب النصوص المفتوحة ، و كنت أقرؤها في المنتديات الأدبية ، أو بعض الصفحات المهتمة و المدونات ، لكني و بصراحة ، كنت أحسب أن تلك أماكنها الطبيعية ، لكن هنا هاهي رغم حريتها مقيدة بين دفتي كتاب .
في كتاب الأشياء الواقفة في غرفة 9 تعرفت على النص المفتوح بصورته اللائقة ، الجميلة ، المرتبة رغم الفوضى ، المتينة رغم الخفة ..
تذوقت الطعم الحقيقي لنصوص تخلق لك جناحين متينين و ترفعك إلى فضاء أدبي جديد لتتسع علاقتك المكرورة بالكلمة و الكتابة .
العنوان و العناوين الصغيرة :
أتت النصوص معنونة بالعناوين المغناطيسية التي تجتذب المتلقي ، المتلفعة بغموضها ، و المحفزة للتساؤل ، و بمجرد اقتحام عتبة العنوان وولوج النص تفهم العلاقة الوثيقة بينهما ، و تعرف أن كل تلك العناوين مبررة مما يعزز متانة السبك لدى الكاتبة و يؤكد أنها لا تكتب بعبثية و استخفاف بل تعرف جيدا ما تكتب ..
فعبر قراءتي وجدت أن كل النصوص تنتمي لعناوينها ، في حذاء الحزن المشاكس مثلا تقول استبرق :
هل هذه جملة مدروسة مؤثثة بأشياء الغرف و مستلزماتها ؟ مما ينحت تفاصيل العنوان في جسد النص ، شباك و غرف الروح و ساحات و مرايا كما في سيد المرايا الحية ، و حزانات بها ثياب و عطور و حجابات كما في بيت آسيا ، و صناديق كما تقول استبرق في نص الفراغ :
" صندوق يتلو صندوقا يفتح فاهه بالشرور و الآثام و الأمل الخافت في القاع لا يضيء لك و لا تبلى سذاجتك "
و حتى في نص أكره الأشياء الواقفة في غرفة 9 – جناح 7 ، و رغم أن عناصر النص لست كما تظهر فالثلاجة مثلا ليست تلك التي نألفها و تعرفها في حياتنا اليومية ، بل تلك الصارخة ببرودة الفقد ، و الدولاب .
تقول استبرق في هذا النص :
"في قلبها ثرثرة علب قليلة صاخبة بسوائلها ترتج كلما مدت إحدى المتشابهات / الممرضات يدها لحفرة الصقيع ، رائحة فصل وحيد جافة ناشفة إلا من رجفة الأسلاك ."
اللغة :
لغة استبرق تستحق التأمل ، فرغم أنها لا تستخدم مفردات صعبة ، تغرب القارئ إلا أنها تشتغل على التراكيب المبتكرة ، ففي زحمة النصوص و الأساليب المتشابهة نجد لها صوتا مميزا .
ما اجتذبني هو تقديمها صورا تشذ عن المألوف مثل نص حذاء الحزن المشاكس مثلا أو نص في تيه ما .. حيث تقدم مثلا صورة الحزانى فتقول عنهم أنهم دوما يطرقون إلى الأرض فلا يرون إلا الأحذية !
فلغتها تنزلق في الروع لتأخذ القارئ في تفاصيل النص و تبقيه فترة .
النصوص :
تراوحت النصوص بين تمارين الماء التي أجد عبرها النصوص إنسانية تفتح على أكثر من صعيد و تمس أكثر من فئة بل قد تمس الناس جميعا ، الفراغ و التراب والتيه و الحزن ، كلها تساؤلات و امعانات في التأمل تطرحها استبرق على منضدة التدبر .
و تأتي نصوص بيت آسيا ، تلك التي أجدها تشكل تجربة شخصية للكاتبة ، تنحت فيها تفاصيل حالة آلمة ، بمهارة لا تقل عن الفجيعة ، فلم تتكأ استبرق على المشاعر المفرطة و الإيغال في رسم ملامح اللوعة الاعتيادية ، بل حورت أشكال جديدة لرسم الحزن بأكبر صوره .
و الحقيقة أن نصوص بيت آسيا بتفاصيلها و أحداثها و قصصيتها شكلت أقرب النصوص إلى قلبي و استلبت حزني دون اختيار ، فهل نعود و نقول و نؤكد بذلك ..أن القصة تبقى متربعة على قمة النصوص الأدبية ؟
عن الألم .. عن دمعتي التي سقطت على السطر الثامن الذي يسكن صفحة 56 .. عن استبرق التي البستني مشاعرها .. عن الغموض الذي اعتلى نصوص الفصل الأول .. عن الأشياء الواقفة "المؤثرة"في الفصل الثاني التي عصفت باحساسي.
نصوص هادئة كتبت بعذوبة واحساس، تمنيت كقارئة لو كان الجزء الثاني من العمل هو الأساس ولو مدت تفاصيله، التجارب الذاتية الموغلة في العمق تجبر القارئ على التوقف عندها وطلب المزيد، بعد القصة القصيرة أتت استبرق بنصوص سردية تشكل بصمتها في الكتابة، هل ستعود استبرق للقصة ثانية أم لمشروع جديد؟
أعجبتني النصوص أكثر في القسم الثاني من الكتاب "بيت آسيا" أما القسم الأول رغم شاعرية اللغة المكثفة كنت أشعر بغموض النصوص وأعيد قراءتها، الغلاف أكثر من رائع
هل ارتديت الحزن؟ هل حدثك التعب؟ هل سحرتك كرة القدم؟ هل أفزعك الندم؟ هل باغتك الخوف؟
ثم شق قط الحب طريقة لقلبك.. فجأة؟
هذه مشاعر عايشتها الكاتبة وسردتها بطريقة أنيقة، وكلمات منتقاة، وتشبيهات ذكية في الجزء الأول من القصص، أما في الجزء الثاني سنتعرف على تلك الغرفة التي تحمل الرقم تسعة.. التي تنام فيها "نخلة" باسقة "كجبال الهمالايا". تلك النخلة تنصح إستبرق وتعطيها من فيض تجاربها، وتحكي لها عن وردة وبليغ وووو .. غير أن الكلب ألم.. والألم كلب
هذا النص من النصوص التي لا يجب أن تقيم بل إن يشعر به ويحتفى به كمية المشاعر تفوق كل الكتابات التي مرت علي، توازن الاستعارات والتشبيهات كانت مثيرة للاهتمام ومحفزه ليس لها مثيل، وعي وثقافة الكاتبة أكبر بكثير من هذا المحيط.
من النص " ركل بالقدم أصبحت ركلا للضياعات، لاندفاع الهتافات، لغواية المبادرات، موطئ الحلم، (( كرة قدم )) تسحق في سحرها غطرسة العالم.
((الآخرين يا أماه ماعاد لهم وجود، العالم بأكمله تقوّض.)) "
شدني الغموص في "تمارين الماء" و كُل كلمة كُتبت عن الأم لامستني ، أخشى أن يأتي يوماً أفقدها فيه و أعيش على ذكراها مثل استبرق في "بيت آسيا" .... و بقيت أيضا محاصرة مثلها في "١+١=١"
أحببت وقتي حين مضى برفقة الأشياء الواقفة في غرفة ٩ .