لا يمنح الإنسان حياة ثانية، حياة يعيد فيها ترتيب الأشياء، أن يختار أصدقاءه وعمله وعلاقاته الجنسية وقراراته، ولا يجد إجابات شافية طوال عمره، في كل مرة عليه أن يقف على مجموعة احتمالات، و أن يختار، بنفسه، و أن يندم في كثير منها. لا تمنحه الحياة مفاتيحها إلا حين يوشك أن يغلق للمرة الأخيرة عينيه، لو قيض له أن يسمع صوت الموتى و هم في قبورهم، ما الذي سيقولونه، هل تنشغل السماء يتأوهاتهم و ضجرهم الأبدي؟ ما الذي سيطلبونه لو منحوا فرصة جديدة؟ سيطلبون وقتا إضافيا، علما أن الوقت كله كان بين أيديهم وكانوا يرمونه بالأطنان، و هم يأكلون و يشربون و يتكاسلون كل صباح، وهم يتمطون أمام شاشات التلفزيون. وقت عظيم هدر وهم يشربون الشاي، ويلوكون سيرة أحدهم في غيابه. يعرف أن الزمن لا يتكرر، ولا ينتهي، فقط يمر، دون رائحة، دون صوت، و لكنه يمر. يراه في تبدل ملامحه في المرآة، في صعوده الدرجات، في تجاعيد وجه الجدة الآتية من زكريا إلى المخيم، لتقول كل صباح في ما يشبه معزوفة عسكرية لدولة قديمة: يقطع هالعمر مر عالفاضي، مر واحنا نستنى!!
لا أحد يعرفني ولا أعرف نفسي ! كيف يمكن أن أحيا العمر كله ولست مدركة من أكون وماذا أريد ولا أعرف لم فعلت ما فعلت ! ولا سبيل أمامي لتصحيح خطأ حدث سابقا، أو تدارك خطأ قد يحدث اﻵن ! ليس اﻷمر موقف سلبي من الحياة، لكن نحن لسنا أقوياء كما نظن ... محزن هذا العجوز، شعرت في بعض ما قاله أنه كان يتحدث بلساني عني .. هنا الكثير من أشباه هذا العجوز ..