من النيل والفرات لم يكن في مدينة "قم" الإيرانية مقهى نلوذ به من أحلامنا... كما نجتمع في مقبرة "شيخان" أو ضريح السيدة معصومة، أو قبر المرعشي النجفي، صاحب أكبر مكتبة للمخطوطات في الشرق. وهي كتب أخذها من العراق حينما كان طالباً في النجف.. إذ لا مكان لتعاطي الأحلام سوى المقبرة!! كنت مرتبكاً جداً.. تفاقم أكثر فأكثر ضيق الصدر والشعور بالحبسة.. فكل شيء كان يغلي ثم يموت في دواخلي... المشاعر أزهار تختنق وتموت بمياه بركانية خانقة... أصبحت لا ألتقي بأية فتاة لمدة طويلة، خوفاً من أن تتحسس من توتري العصبي.
لا اعرف اذا كانت سيرة ذاتية ام روايه من نسج خيال المؤلف لكن بالتأكيد تجربته الشخصية حاضرة و بقوة فى الأحداث خصوصا لمسه الاكتئاب التى التى تسيطر على الأحداث . الرواية قصيرة فى عدد الصفحات لكن غنية فى عدد المواعظ و الحكم و اهمها: ١_ أن أى دولة حتى إذا كانت نفطية غنية بالانهار و الموارد إذا ابتليت بالحروب و الطائفية فلا سبيل للحياة او العيش. ٢_ حتى إذا حصلت على لجوء و جنسية اجنبية، يظل شبح الحروب و الدمار مصاحب لك، و البعض قد يغرق فى مستنقع الإدمان و شرك الأمراض النفسية هربا من الذكريات و الماضى المشؤوم. و اخيرا اثار الحرب تمتد لسنوات حتى بعد انتهاءها و تظل اشباحها حضرة و بقوة فى ذاكرة الكبار و الصغار.
مقدمة مثيرة اذ شجعتني على قراءتها بسرعة لن تفهم الرواية اذا ما قرأت عن كارثة " تجفيف الأهوار" أحد الاعمال الاكثر وحشية وانتهاكية لصدام حسين التي أدت لتهجير سكانها الأصليين وهم عرب " المعدان" بعضهم تهجّر من رحيله من الحدود الايرانية العراقية- والبعض الآخر حاول الدفاع عن الماء ولكن.. " ذهبت الأهوار ، ولكن جفّت قبلها منابع الايمان واليقين، ليس في السياسة وانما في كل شيء."
عن الهور والانتفاضة المقدسة، عن الم الغربة، عن مرارة الفقد، عن تأنيب الضمير الفاحش، عن قسوة ان يحيا الانسان وهو يبحث عن المعنى، عن الهولوكوست الشيعي المنسي، عن عذابات الجنوب، عن الالم الشيعي باختصار يتحدث مهدي. لا احب الروايات بالمرة ، ولكن هذه ليست رواية ، انها قرآن الالم، قرآن فهمه محصور على من ذاق مرارة العيش في جزيرة التشيع، الواقعة في وسط محيط الاٍرهاب والخنوع، والنفي والقتل بحجة الدفاع عن الصحابة. قرآن لم ينزل به جبرائيل ، بل صنعته 1400 عام من الالم والعذاب والغربة.