تتناول هذه الدراسة الموجزة الاتجاهات الدينية والسياسية والاجتماعية والعلمية التي تكونت عند العرب نتيجة اتصالهم بالفكر الغربي في الفترة الواقعة بين حملة نابليون على مصر عام 1798 و قيام الحرب العالمية الأولى عام 1914.
تتناول هذه الدراسة الاتجاهات الدينية والسياسية والاجتماعية والعلمية، التي تكونت عند العرب نتيجة اتصالهم بالفكر الغربي في الفترة الواقعة بين حملة نابليون على مصر عام ١٧٩٨م وقيام الحرب العالمية الأولى عام ١٩١٤م، ولا يغيب عن الأذهان أن الاتجاهات الفكريه العربيه التي تكونت في عصر النهضة تشكل القاعدة المتينة التي بُنيت عليها الاتجاهات الفكرية العربية المعاصرة.
》عوامل النهضة الفكرية عند العرب في القرن ١٩ هى: ١) الحملة الفرنسية على مصر ٢) البعثات العلمية إلى أوروبا ٣) الارساليات التبشيرية في البلاد العربية، ونشاطها في بناء المدارس وتأسيس الجمعيات العلمية والأدبية. ٤) الطباعه .. فالمطابع ساهمت في نشر العديد من المؤلفات والكتب العربية القديمة، وإحياء التراث العربي، وإيصال المؤلفات الحديثة والكتب المترجمة إلى أيدي الناشئة والمثقفين العرب ٥) الصحافة ٦) الترجمة ٧) الجمعيات العلمية ٨) الاستشراق .. حيث تشكلت الجمعيات التي تُعنى بالتراث العربي والشرقي، فظهر العديد من العلماء الذين عنوا بتحقيق المخطوطات العربية ونشرها وتأليف الكتب في تاريخ العرب وعلومهم وآدابهم، فساهموا مساهمة جلية في نهضة العرب الحديثة.
》الفصل الأول: الاتجاهات الدينية
كانت ردود الفعل الأولى عند المفكرين العرب على مظاهر الضعف والفساد والانحلال التي أصابت مجتمعهم ردوداً دينية، وكانت أقوى الحركات الفكرية عندهم وأكثرها أصالة هي الحركات الدينية، فقد أثار الجمود الفكري والتقليد الأعمى لدى الأجيال المتعاقبة من علماء المسلمين، وما علق بالإسلام منذ أن أُغلق باب الاجتهاد في القرن الرابع الهجري من ضلالات وبدع، وما نشأ في ظلاله من طرق صوفية، اعتمدت المبالغة والتطرف بما ابتدعته من احتفالات وحلقات للذكر وممارسات شاذة عن جوهر العقيدة، كما أثار الجهل بأصول الدين والعبادات عدداً من العلماء المتنورين، وأدركوا الحاجة إلى الاصلاح، وإيقاف التدهور الديني والاجتماعي الذي يعيشه المسلمون.
ومن أهم الحركات والدعوات الإصلاحية السلفية: ١) الدعوة الوهابية والتي تُنسب للشيخ محمد بن عبد الوهاب، وتقوم على المبادئ التالية: * العودة بالإسلام إلى صفائه الأول، والعودة إلى القرآن الكريم والسنة النبوية واعتبار ما عداهما أو خالفهما مصدراً للبدع * التوحيد ويتمثل في شهادة أن لا إله إلا الله، ومن هذا المبدأ هاجم العادات التي كانت منتشره في العالم العربي مثل التبرك بالأولياء والتمسح بالمشايخ والتقرب إلى الله بزيارة قبور الصالحين واعتبرها شركاً
٢) المذهب الشوكاني ومؤسسه هو محمد بن علي الشوكاني، وأهم مبادئه: * الاعتماد على كتاب الله وسنة نبيه في الأحكام الدينية * تنقية الدين الإسلامي مما لحق به من بدع وضلالات، معتمداً على مبدأ التوحيد الذي سبقه إليه الشيخ محمد بن عبد الوهاب * رفض التقليد * الدعوة الى فتح باب الاجتهاد * جمع الأحاديث الصحيحة * الإصلاح الإجتماعي
٣) الالوسيان في العراق صاحب هذا الإتجاه هو أبو الثناء شهاب الدين محمود الالوسي واعتمد على: * تنقية الدين مما علق به من شوائب * اتباع السلف في مسائل العقيدة * مهاجمة شيوخ الطرق الصوفية
٤) الحركة السنوسية مؤسس هذه الحركة محمد بن علي السنوسي، والسنوسية حركة إصلاحية سلفية وطريقة صوفية، جمعت بين النظرة الوهابية للإصلاح الديني، ومحاسن الطرق الصوفية، وتقوم على المبادئ التالية: * العودة بالإسلام إلى نقائه الأول * اعتبار الكتاب والسنة مصدري الشريعة الإسلامية * فتح باب الاجتهاد في الإسلام، واعتبار إغلاق هذا الباب سبباً في تحجر الفكر الإسلامي ودخول البدع إليه * تنقية الدين مما علق به من بدع وضلالات * الإيمان بما تدعيه الصوفية من الرؤيا والاتصال والكشف
٥) حركه المهدي في السودان قام بها محمد بن أحمد بن السيد عبد الله وتتلخص تعاليمها فيما يلي: * العودة بالإسلام إلى ما كان عليه في عهوده الأولى واعتماد الكتاب والسنة فقط * التوحيد بين المذاهب الأربعة السنية والانفراد بمذهب اجتهادي خاص * حصر الطرق الموصلة إلى الله بستة أمور هي: صلاة الجماعة - الجهاد في سبيل الله - امتثال أوامره ونواهيه - الإكثار من كلمة التوحيد - تلاوة القرآن الكريم - وتلاوة الراتب (وهي مجموعة من الآيات والأحاديث النبوية فُرض على اتباعه حفظها غيبياً)
》الفصل الثاني: الاتجاهات السياسية
كان من نتائج اتصال العرب بالغرب أن تعرفوا بالحركات السياسية وأنظمة الحكم الغربية، والمبادئ التي كانت تنادي بها تلك الحركات، والأسس التي قامت عليها تلك الأنظمة، واقتبسوا منها مفاهيم جديدة كالحرية والديمقراطية والدستور والوطن والوطنية والأمة والقومية، وقد ظهرت تيارات عدة منها:
١) تيار الجامعة الإسلامية وظهر هذا التيار في النصف الثاني من القرن ١٩، كرد فعل للغزو العسكري والثقافي الغربي للعالمين العربي والإسلامي، ونتيجه لعجز الدول الإسلامية عن إيقاف هذا الغزو أو رده، وكان من أشهر دعاة هذا التيار وقادته جمال الدين الأفغاني، والمبادئ التي تقوم عليها هذه الدعوة: * اعتبار الوازع الديني عند المسلمين الأساس في معركتهم ضد الاستعمار الغربي * الوحدة الإسلامية هي الطريق الوحيد لمقاومة الغزو الغربي، فالدول الغربية تُقيم التحالفات فيما بينها لاقتسام أوطان المسلمين وتدمير عقيدتهم، وهذا يستدعي تحالف دِفاعي بين مسلمي العالم * بعث الهمة في نفوس المسلمين لدفعهم إلى مقاومة الاحتلال الأجنبي والثورة على الاضطهاد، وذلك بإعادة الثقة إلى نفوسهم أولاً * إدخال الإصلاحات إلى الدول الإسلامية في جميع الميادين السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية، واتخاذ وسائل الثورة السياسية لتحقيق غاياته، لاعتقاده بأنها أسرع الطرق للوصول إلى ما يبتغيه من تحرير الشعوب الإسلامية من نير المستعمرين
٢) تيار الوطنية الإقليمية الوطنية بمعنى حب الوطن والولاء له مفهوم حديث عند العرب جاءهم مع الغزو الثقافي الغربي في القرن ١٩، وكان أول من دعا إلى الوطنية بهذا المفهوم الشيخ رفاعه الطهطاوي، وقد أخذت الفكرة الوطنية في مصر اتجاهين متعادلين، الأول لم يرى اختلافاً أو تناقضاً بين الرابطة الوطنية والرابطة الدينية، والثاني رأى أن الرابطة الدينية تُناقض الرابطة الوطنية لأنها تتسبب في التفرقة بين أبناء الجنس الواحد والوطن الواحد.
》الفصل الثالث: الاتجاهات الإجتماعية
إن المجتمع العربي في العهد العثماني كان ينقصه التجانس والتماسك، فما كاد القرن ١٩ ينتهي حتى بدأت الأطر الإجتماعية القديمة بالانهيار، وتراجعت القيم الإجتماعية القبلية، لتحل محلها قيم جديدة مستوردة من الغرب، ونشأ صراع شديد بين الراغبين في التفرنج وتقليد الغرب في المسكن والملبس والمأكل والمشرب ومختلف وسائل الترفيه والتسلية، وبين المحافظين أنصار التقليد القديم، الذين بذلوا كل ما في وسعهم لمقاومة تيار التفرنج وصده. وفي هذا المجتمع قامت فئة واعية تنادي بمبادئ وأفكار جديدة من حرية ومساواة وعدالة اجتماعية، وعالجت هذه الفئة من المفكرين العرب مختلف المشاكل والأمور الإجتماعية وكان مما قامت به:
١) البحث في أسباب تخلف المجتمع العربي .. انقسم المفكرين العرب في عصر النهضة إلى فريقين في تحليلهم أسباب تخلف أمتهم، فريق السلفيين الذين ارجعوا هذا التخلف إلى ابتعاد المسلمين عن الدين القويم، وفريق الليبراليين الذين حاولوا الغوص في تراث الماضي وأوضاع الحاضر وتحري التطورات السياسية والقيم الإجتماعية والأوضاع الاقتصادية التي أدت إلى هذا التخلف، فخرجوا بتحليل علمي سليم لواقعهم، ووضعوا أصابعهم على الأمراض الحقيقية التي تنهش مجتمعهم.
٢) الدعوة إلى الحرية والمساواة .. دعا المفكرون العرب في هذه الفترة إلى الحرية بمفهومها الشامل الواسع، فطالبوا بالحريات الفردية مثل: حرية التفكير والتعبير والاجتماع، والحريات السياسية مثل: الحياة النيابية ومبدأ الشوري، واقتضت الدعوة إلى الحرية محاربة الاستبداد بجميع أشكاله وإبراز مساوئه وشروره
٣) الدعوة إلى العدالة الإجتماعية .. كان أول من عالج موضوع العدالة الإجتماعية من مفكري هذا القرن رفاعة الطهطاوي، كماعالج عبد الرحمن الكواكبي مشكلة الغنى والفقر في المجتمع، واقترح لها حلاً في الاشتراكيه الإسلامية (الاشتراك العمومي المنظم)، وأوضح مساوئ الرأسمالية وعلاقتها بالاستعمار، ووجه نقداً شديداً للاشتراكية الغربية بأشكالها المختلفة ومدارسها المتعددة
٤) تحرير المرأة .. والدعوة إلى تخليص المرأة العربية من الجهل، ولم تبرز الدعوة إلى مشاركة المرأة للرجل في الأعمال والشئون العامة إلا في مطلع القرن العشرين، وكان رائد هذه الدعوة قاسم أمين، وقد أحدثت أراءه صدى واسعاً في أوساط مفكروا عصره، فمنهم من رحب بها وأثنى عليها، ومنهم من تصدى لها ورد عليها بعنف.
》الفصل الرابع: الاتجاهات العلمية
أدرك العرب منذ مطلع القرن ١٩ أن من أسباب تفوق أوروبا وقوتها اعتمادها على العلوم التطبيقية وتطويرها، ولذلك اقبلوا عليها إقبالاً شديداً، وذهب المجددون في الإسلام أمثال جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده ورشيد رضا إلى أن العلم لا يناقض الدين، وإلى ضرورة التوفيق بينهما، ولو أدى ذلك إلى التأويل في تفسير القرآن الكريم، ورافق هذه الدعوة إنشاء العديد من المدارس والمعاهد العلمية في مصر وبلاد الشام والمغرب العربي. وقد نشأ إلى الوجود تياران فكريان في الربع الأخير من القرن التاسع عشر، أحدهما يضم المفكرين التقليديين من الأزهر وأنصارهم، وقد وقف هذا التيار موقف العداء من العلوم الغربية مكتفياً بالعلوم الشرعية الإسلامية، والثاني يمثله المفكرون الإصلاحيون الليبراليون، وقد وقف هذا التيار موقفاً إيجابياً من تلك العلوم، واعتبرها الأساس لقيام الحضارة المتفوقه ونموها، ورأى ضرورة اقتباسها والأخذ عنها دون تردد. وقد أجمع المفكرون العرب على الترحيب بالعلوم التطبيقية الحديثة، ولكنهم اختلفوا في مواقفهم من النظريات العلمية التي صاحبتها، وخاصة تلك التي لها مساس بمعتقداتهم الدينية فمنهم من: - آمن بها وتولى الترويج لها والدفاع عنها - رأى فيها كفراً وإلحاداً فاستنكرها ورفضها ورفضاً باتاً - حاول التوفيق بين هذه النظريات وبين الدين