لولا «القودالا لانهارت قناطير»، هكذا فكر «صغيرون» وقد عاد إلى الحياة بعد غيبته في اللامعنى. لقد أدرك الآن أنَّ الإنسان بلا أغنيات ولا الغاز يموت، وأنَّ الحُبَّ غذاؤه الحكايات.
هناك في البراري، حيث يلتحم الإنسان بالطبيعة ويصغي إلى أنفاسها يولد كل جميل ، هناك عاش جرمة» تغريبته سنين ينتظر الولد الموعود.
وهناك اقتفى صغيرون» أثره ينسج أحلامه ويتضرع إلى ماء الجداول أن يطرق قلب «عازين» فيلين، مثلما لان الوحش في داخله من بعد تجبر وشرور. ولكن من للشؤم غير صغيرون الشرير؟ لقد جاء إلى الحياة بعدما شقي والده ليكون هو الذكر الوحيد بين ست إناث. ورافقت ميلاده علامات شؤم، حتى عده أهل «قناطير» لعنة على «قناطير».
تورطنا هذه الرواية في «أدغال قرية على الهامش، أخطر ما فيها حكاياتها. وهل الحكاية إلا ضرب من السحر المبين ؟! تدخلها وأنت تتأفف من معتقدات أهلها، وتغض طرفك عن إنسانها شبه العاري» و «فكره المتوحش»، وتسد أنفك دون روائحه، لكنك تخرج منها على أمل أن تعود.
هنا وفي كل ما طالعت للكاتب التشادي طاهر النور، أصالة تجمع مابين الهوية واللغة، جاعلًة من إسلوبه مهارة تخصه، أتقن عبرها سرد الحكايات! حكايات عن بلاده، شخصيات من دم ولحم تتراءى للقارئ، كما لو تتحرك أمامه، أسماء تشادية وأوصاف دقيقة لتفاصيل المشاهد الحياتية، هناك، في بلد أتعرف عليه للمرة الأولى، متشككة للصراحة تحدث أهله باللغة العربية.
"-هنا الحقيقة عارية، اما هناك فالحقيقة فارغة. -حقًا؟ -الإنسان هنا يدري أن كل شئ زائل. اما هناك فيركض وراء الدنيا وملذاتها كما لو أنه يعيش أبدًا."
يتمثل هنا براعة الروائي طاهر النور في تذليل الحوارات لما يبتغيه من دلالة، فعازين القادمة من المدينة، تشرح للقروي صغيرون فرق عالميهما، ذلك أن حبًا جمع بين قلبيهما، ليبدو هذا خط الحكاية، في حين نسج المؤلف حولها حياة قروية كاملة، ناقلًا أساطير، عادات وتقاليد في رسم متكامل لكل شئ، الطبيعة والبيوت، والأهم الطبيعة الإنسانية لأطياف عدة من ذاك المجتمع البسيط
▪️لا نستطيع العيش دون كلمات، كما لا نستطيع العيش دون قصص. وفي كل الأحوال علينا المخاطرة بالكلمات، وكذلك بالقصص، فهنا سر حياتنا، وسر وجودنا
الرواية رائعة طبعا لو قرأتها دون مشاريعه الأخرى اللغة هنا تريح، وهو ككاتب شادي متمسك بمشروعه في الحديث عن بلاده
ولو تعلمون كم هو متحدث ومثقف وقارئ فخم، تشرفنا فيه بملتقى صيدلية الكتب
أول تعرفي على قلم تشادي، طاهر النور يغزل هنا باحتراف عالم قرية تشادية وتفاصيلها الساحرة، أحببت لغة الرواية الشاعرية وعالم صغيرون الذي بدا أحيانًا أسطوريًا . جاءت أيضًا الحكايات بين قصة صغيرون وقصة حبة المستحيلة متشماية مع أجواء الرواية، مما منحها بعدصا تشويقيًا إضافيًا، . شكرًا طاهر النور . وشكرًا ملتقى صيدلية الكتب :)