كتاب "الماضي في الحاضر دراسات في تشكلات ومسالك التجربة الفكرية العربية"يتألف من ثلاثة أقسام: القسم الأول (مراكب لكل فصول) يقدم نظرة تحليلية للتجربة الثقافية العربية في أبعادها الدينية كما تمثلها أعمال عدد من المفكرين. كما بحث هذا القسم في المنطلقات النظرية للتجربة الفكرية العربية في اتجاهها نحو التحديث والتحرر من سطوة الأسطورة والخرافة. أما القسم الثاني (مراكب إغريقية) فيبحث في انعكاسات انفتاح العقل العربي على علوم الأولين وهي علوم نافعة في بناء العالم وتشكيله علمياً ومادياً وإنسانياً. فلقد كانت حركة الترجمة والنقل خطوة جبارة قادت إلى الانفتاح على الكون والوجود. أما القسم الثالث من الكتاب (كراكب الحداثة) فهو مبحث في مكانة التراث في حاضرنا وعلاقته ببدايات الفكر الحديث، حيث يشير الكاتب إلى أن الإسلام والغرب والحداثة والمستقبل العربي تحتل المكانة المركزية في النظر وفي الاهتمام وفي التفكر
مفكر أردني من أصول فلسطينية، من مواليد سنة 1939م، في بلدة عين غزال الفلسطينية، درس الفلسفة في جامعة السوربون وحصل منها على شهادة الدكتوراه في الفلسفة الإسلامية وعلم الكلام سنة 1968م، عمل أستاذا للفلسفة والفكر الإسلامي في جامعة الكويت والجامعات الأردنية، وشغل منصب عميد البحث العلمي بالجامعة الأردنية، ونال عضوية مجلس إدارة معهد العالم العربي في باريس بالفترة من 1980 حتى 1984، له آراء جدلية حول الإسلام السياسي حاصل على جوائز عديدة، كما تم اختياره لعنوان الشخصية الفكرية لعام 2013 من قبل بعض المؤسسات الثقافية في بلده.
الكتاب عبارة عن مقالات للاستاذ فهمي جدعان في الماضي السحيق الحاضر بين ظهرانينا اليوم بعضها عميق وكثير منها مكرر وسطحي.
في مقالته حول السلفية يرى أن تيار أهل الحديث ناوئ تيار الرأي والعقل القائم على الأسس اليونانية ، وكانت محنة خلق القرآن هي الفرصة الذهبية لتبلور الموقف السلفي في تيار واضح لأول مرة بقيادة أحمد بن حنبل ، وتخلل هذا التيار وجود رجال من مختلف المذاهب الفقهية أعطوا دفعة لهذا التيار الذي أخذ على عاتقه محاربة محدثات الأمور مثل أبوشامة المقدسي الشافعي والطحاوي الحنفي وابن بطة والبيهقي ثم وصل هذا التيار قمة نضوجه وذروته على يد ابن تيمية.
ويرى المؤلف أن أكبر انتصارات المذهب الأشعري الحنبلي في العالم الإسلامي هو تأسيس جميع معارفه على أساس نقلي أو إيماني ، وتمكن السلفيون من تحقيق نصر آخر وهو توسيع معنى النقل ليشمل التراث الإسلامي المنقول عن مفكري وعلماء الملة حتى لو لم يكن نصا مقدسا ، والملفت للنظر أن العرب المسلمين حين صنفوا العلوم والمهن وضعوا في قمتها المهن الفكرية وفي أسفلها المهن اليدوية والصناعية وهذه قيمة يونانية نفذت إلى الثقافة الإسلامية واستمر وجودها إلى عهد قريب.
وفي مقالته عن الخلافة ينقل المؤلف البيان التبريري من علماء الأتراك الذين مهدوا لإلغاء الخلافة كليا ، وخرج عبدالحميد بن باديس ليقول أن إلغاء الخلافة يعد إلغاء لنظام حكومي خاص بالأتراك وهو رمز خيالي فتن به المسلمون لغير جدوى وحاربتهم من أجله الدول الغربية المتعصبة ، ثم أشار ابن باديس لدعوى الأزهريين لتنصيب ملك مصر خليفة للمسلمين فيقول إن خيال الخلافة لن يتحقق وإن المسلمين سينتهون إلى هذا الرأي يوما ما ، وابن باديس يوافق علي عبدالرازق في إنكار نظام الخلافة المحرف ولكنه يرجئ أمر الدور السياسي للدين إلى مرحلة ما بعد الإستقلال.
كتب المؤلف مقالا جميلا في الفلسفة العربية والتي بدأت من الكندي وانتهت بابن رشد وكان الصراع فيها على أشده بين أهل الكلام الذين كان النص الديني هو منطلقهم وبين الفلاسفة الذين كان النص اليوناني هو منطلقهم ، فأدى الصراع بين الدين والحكمة إلى تأسيس تيار فلسفي توفيقي لا يرى تعارضا بينهما وكان الفارابي وابن رشد على رأس هذا التيار ، وأسس تيار آخر ممثلا بابن الراوندي - وربما أبوبكر الرازي فيما ينسب إليه - للإلحاد الفلسفي العربي ، وعد الغزالي فيلسوفا إسلاميا مع أنه نقض الفلسفة الطبيعية وذلك على قول أرسطو أن نقد الفلسفة هو من الفلسفة.
لم تعجبني فصول الكتاب الأخيرة بسبب عدم أهميتها الكبيرة - بالنسبة لي على الأقل - ففي فصل كامل يتحدث المؤلف عن سبب إقلال العرب من ترجمة أقوال ومؤلفات هوميرس صاحب ملحمة الإلياذة ، وفي فصل آخر يتحدث عن ابن خلدون وأثره على مفكري العصر الحديث باسلوب غير عميق لا يلامس كتابات د.علي الوردي في كتابه"منطق ابن خلدون" والذي أهمل المؤلف ذكره في هذا الفصل مع شدة أهميته ، وفي الفصول الأخيرة تم تكرار أفكار الكتاب المذكورة في الفصول الأولى والتي أصابتني بالملل ربما بسبب تشبعي المتطرف بمواضيع التراث وحدود علاقته بالأنا والآخر.
الكِتاب عبارة عّن مقالات جُمِعت تحت عنوان الماضي في الحاضر وهو تعبّر عّن رؤية المفكر فهمي عّن واقعنا اليوم ومدى تغلغل التراث في البنى الفكرية ومدى تسرب بعض الأفكار - في مقال الفارابي - الإشراقية في التصوف وفلسفة المعلم والرئيس كما هي عند الجابري وفِي القسم الثالث ( مراكب الحداثة ) يبحث فيها عّن الإبيستولوجية وقد تناول كما تناول الجابري النزعات الهرمسية وسبب لجوء الفارابي لهذه النزعة" يحقق لصاحبه السعادة " ويرى أيضا أن العقل الإسلامي في الماضي يتسم بأربع أنماط معرفيه : عقلي،نقلي،عرفاني،تجريبي والمعاصر يتسم بالقلق ولن نفهمه ما لم نفهم قلقه..
المفكر ناقد جيد وتعرض للجابري وأركون وحسن حنفي بالنقد البناء وليس بالنقض كما يفعل أخرون(؟) وهذه مزيته .