قبل أن أقرأ هذا الكتاب كنت قد اطلعت على عدة مؤلفات في أدب الرحلة ،ولعل هذا الكتاب لا يرقى لرحلات رحالة مشهورين أمثال ثيسجر ولكن مع ذلك تبقى عين برترام توماس وزاوية نظرة مختلفة فهو سياسي ساعد في صنع قرارات سياسية حرجة في مرحلة حرجة في تاريخ عمان ، ،. ما شدني في الثلاثة والثمانين صفحة تكراره وصف المنازل العمانية بالبيضاء فهو لايسأم من ذكر ذلك وهذا يعطينا لمحة بأن برترام كان متعجبًا من تناسق وتنمط أسلوب العمران في عمان ،كما نجده في مؤلفه يربط البدو بالرقص والحفلات والغناء ولعل ذلك راجع إلى الصورةة المسبقة التي حملها برترام عن الشرق الساحر ، فقد وجدته قد قرن صفة الرقص بالبدو في ثمان مواضع ،وهذا ما وقعت عليه عيني فقط. اهتم برترام بوصف العمران والتضاريس الجغرافية والعادات وأكثر من وصف الطعام إلى جانب إشارات متفرقة عن الوضع الاقتصادي ، ، وتفصيل في بعض المواقف السياسية التي عايشها ووصفها بدقة . ولخص برترام رأيه الشخصي في السفر في الجزيرة العربية بأنه " يعلم الفلسفة والصبر ". أما عن صورة الآخر فهي تختلف باختلاف السياقات فتارة نجد برترام ينصهر مع العمانيين ويصبح منهم ويرى بأعينهم ويفكر بعقلهم فتتماهى الحدود بين الأنا والآخر، فمثلًا يقول : "وعند الخروج منها بهرنا منظر الحدائق الجميلة والأشجار العالية" " وهو الأوروبي ابن الطبيعة الخلابة والأشجار الوارفة ، ولكن هنا وفي هذا السياق أصبح يبهره ما يبهر البدوي الذي يندر أن تقع عينه على الخضرة .وفي سياقات أخرى تظهر الحدود واضحة بين الأنا الأوروبي والآخر العربي أو العماني فهو يقول :"وكان الجميع في دهشة لهذا الأوروبي المحظوظ". أسلوب الكتابة كان أسلوبًا إخباريا في كثير من الأحيان وذو صبغة علمية تقريرية ، وهذا مما لا يستغرب إذ إن الكاتب ليس أديبًا في المقام الأول بل هو رجل سياسة .
#الكتاب_السادس مخاطر ورحلات في الجزيرة العربية، براتام توماس، ترجمة: عبد الهادي فنجان الساعدي، مؤسسة مصر مرتضى، العراق، بغداد، ط1، 2009م.
براتام توماس، ضابط في صفوف المشاة البريطانية، شغل العديد من المناصب، وكان أول بريطاني أو أجنبي يشغل منصب رئيس وزراء عند العرب، في مسقط، عمان، عين مسؤولا في محافظة ذي قار من الفترة مابين 1918 إلى مابعد ثورة العشرين، اكسبته هذه التجربة المعرفة لعادات العرب وثقافتهم، ولاسيما الجنوبيون، (الشيعة) كما يصفهم في كتابه، توطدت علاقاته مع الكثير من شيوخ القبائل العربية الجنوبية، كبيت السعدون، والبوحمد، والصفران، والسادة، وآل خيون بوجه الخصوص، لم يكن معاديا للعشائر والقبائل العربية بصورة مباشرة، بل كان يسعى سعيا حثيثا لكسب ودهم، لانه يعرف مكانتهم ويعرف عقلية العربي تجاه اوامر شيخ القبيلة، عرف ايضا في أثناء تعيينه مسؤولا- عرف اللهجة العراقية الجنوبية واتقنها لفظا واستيعابا.. بدر الرميض كان أحد شيوخ عشائر الجنوب وأكثرهم عنادا وشجاعة وبسالة في مقارعة البريطانيين، اخذ من البريطانيين الكثير من الجهد والوقت والأنفس. في هذا الكتاب رحلتان خاض غمارهما توماس، الأولى في الجنوب الشرقي من الجزيرة العربية، والأخرى مابعد الجنوب الشرقي بمسافة 2000 ميل او مايربو على ذلك. تعمد المؤلف إظهار آلية تفكير العقل العربي وكان دائما يصفه بأنه (عقله بعينه) وكان خاضعا خضوعا تاما لشيوخ القبائل، والذين يعانون الجهل والتخلف. البدعة، الشطرة، الناصرية، الغراف، كانت هذه المناطق أكثر ضراوة وتحمسا للحرب ومقارعة المحتل، يتحدث توماس عن هذه المدن بدقة بوصف أظنه حقيقا وواقعيا. كما انه ينتقل الى الصراع الشيعي السني المتأصل في المجتمع العراقي.
نُشر الكتاب لأول مرة عام 1931م وترجمه فيما بعد عبدالهادي الساعدي.
اعتقدتُ أن عنوانَ الكتابِ فيه شئٌ من المخادعةِ، فهو عبارةٌ عن رحلاتٍ قامَ بها السياسي البريطاني برترام توماس في عمان، واحدةٍ إلى ساحلِ الباطنةِ بصحبةِ السلطان تيمور، والثانيةِ إلى خصب والأخرى امتدت من رأسِ الحد إلى ظفار، ولكن لم يكنْ تحقيقُ أهدافِ رحلاته بالأمرِ اليسيرِ، وكما يقولُ هو لم تكن الطريقُ مفروشةً بالورودِ، وهو ما يجعلنا نعد عنوانَه في هذه الحالةِ إبداعيًا إذ لم يشأْ أن يسميَ عنوانَ رحلتِه عنوانًا تقليديا كغيرِه الكثيرِ من الرحالةِ الأوروبيينَ الذين جابوا الجزيرةَ العربيةَ وعمانَ، فالمخاطرُ كانت تحؤولُ دون وصولِه لمبتغاه: ففي رحلةِ ساحلِ الباطنةِ لم يتمكنْ من الوصولِ للبريمي، ومنعَه بني نعيم، البريمي التي كانت محتلةً من قبل ابن سعود، وفي رحلةِ خصب منعه الشحوحُ من دخولِها إثر تمردهم على سلطةِ مسقط، التي سيرجعُ لها مرةً أخرى على متنِ سفينة آل سعيد ويفشلُ في مفاوضاتِه، وفي رحلةِ صور تعرضَ لطلقٍ نار حتى هرب وتوارى في البحرِ؛ ليجد من السويح منفذا له بالتفاوض مع شيوخ بني علي الذين أمنوا له جزءًا من طريقِ الرحلةِ. أثناءَ رحلاته كان لا يغفلُ عن ذكرِ تفاصيل مشاهداتِه وملاحظاتِه، عن القبائلِ التي يمر بها خصوصًا قبائل ساحل الباطنة، البدو وطباعهم من عصبيةِ المزاجِ وإيمانهم بالمكتوب، كرمهم وحب تملك الجمال، عن أشجارِ السنطِ، عن الوجباتِ الرئيسةِ في موائد السكانِ، عن الغزلان وكما يظهرُ أن وجودها كان غفيرًا.