نصوص سردية ذات طابع تأملي فلسفي في الوجود وقيمة الإنسان ومعركته الخاسرة سلفاً مع الحياة حيث القيم تتراجع والواقع المادي يمد نفوذه ويزيف حقيقة الإنسان. تعكس فصول الكتاب صراعاً محتدماً بين ذات ساردة متمسكة ببقية من مبادئ ،وبين عالم تتفسح مبادئه وتنتصر للقوة والسلطة والمال ،يدفعها ذلك الصراع للتساؤل ملياً في حقيقة وجودنا الذي استحال لفعل مقاومة ضد كل ما يعصف بالمرء وعليه وحده أن يحاول الصمود كل يوم في مواجهة هذا العبث. يلوذ الكاتب بصوت صديقه بن سالم الذي يقاسمه قلقه الوجودي مستحضراً إياه كطيف يشاركه ثقل الشعور فيبدأ حينها الاحتدام بكلمة أو سؤال حتى يتأجج بداخله ليسيطر عليه تماماً وهو يواجه تارة حقيقة الحروب وتارة حدود الحرية الفعلية التي نحظى بها ومرة واقعاً استهلاكياً يقصي الإنسان وغيرها من معضلات الإنسان المعاصر.
جعل الكاتب من صوت بن سالم محركاً خفياً للأحداث يحضر الصوت فينبري الكاتب لمجاراته بأسئلته الشائكة ومقولاته المربكة، يتضخم حضور الصوت ويتحول من هالة وصوت هامس لوجود شبحي مُلِحّ ومقلق يحوم حول الكاتب للحد الذي يحاول التملص منه لا لشيء إلا لأنه يضعه دوماً في مواجهة مع حقيقة الوجود ويعيده لساحة الصراع الداخلي ذاتها مجدداً، إنه باختصار مرآه لروحه المثقلة بالوعي وأسئلته التي يحاول التغاضي عنها في خضم الروتين اليومي وهو حضور قد يخبو إلا أنه لا يزول ممثلاً صوت الضمير والوعي الذي لا سبيل لإسكاته.
ولأن النصوص مثقلة بالهم الوجودي الذي يتسلل لنفس القارئ فقد كانت فكرة النصوص الشعرية في بداية كل فصل فكرة مبتكرة واندماج جميل بين الشعر والنص السردي حيث عملت كتمهيد لكل فصل ولمحة لما يمكن أن يطرحه النص من تساؤلات وأفكار وفسحة للروح لتتخفف من وطأة ثقل الهم الفلسفي. كما أنها شكل جديد من أشكال الكتابة التجريبية وفي أدبنا العربي نحن بحاجة لمساحة من التحرر من سلطة الشكل والمسميات الأدبية. عمل رغم عدد صفحاته القليلة إلا أنه ضخم شعورياً محمل بعذوبة الشعر في نصوص لبيد ومغرق في فلسفة الشعور في نصوص العلوي.