منذ عشرين عاما شُغفت وشُغلت ببضعة أبيات من لامية عمر بن الوردي وردت في أحد الكتب الدراسية للمرحلة الثانوية. حفظتها رغم أنها لم تكن مقررة. بعد سنوات، وجدت اللامية على الإنترنت، وحفظتها. أعانني على ذلك أني وجدتها منشدةً في ملف صوتي. وأتذكر أني عكفت عليها في صيف أحد السنوات أستقصي معانها كلمة كلمة، وأبحث عن مقصود الشاعر من الكلمات. لكن ظلت بعض الكلمات وبعض التعابير قصية على الفهم. وها قد جاء هذا الكتاب الرابع ليوضح لي ما التبس عليّ، فنورٌ على نور.
من الأمور التي صدمتني، أن في اللامية بيتين عن الغلمان، والوردي طبعا ينهى عنهم. لكن لم يكن من داع للتفاصيل التي وردت فيهما. وهذا البيتان محذوفان من غالب النسخ الموجودة على الإنترنت. وأيضا لاحظت اختلاف كلمات بسيطة في الأبيات الواردة في الكتاب عن النسخ المنتشرة على الإنترنت. واللافت أن الكتاب توقف عند البيت 77 من اللامية، لكن ثمة ثلاثة أبيات ختامية. فهل هي مضافة على اللامية؟ أم أن الكاتب أراد التوقف هنا لأن البيت وردت فيه عبارة "تفاصيل الجمل" وهي عنوان الكتاب؟
اللامية تسمى "نصيحة الإخوان مرشدة الخلان" لما ورد فيها من نصائح نتاج حكمة وخبرة، ونتاج صدق أيضا. فالوردي في هذه الأبيات يتوج بالنصح لابنه. هذه أبيات أب شفوق، وأديب حكيم، يضع رحيق حياته في أبيات ويقدمها لفلذة كبدة. فلا غرو أن يتعلق بها من لا يتكبر على النصيحة.
تفاصيل الجمل، وهو اسم الكتاب، مُستقى من بيت شعر في قصيدة ابن الوردي (لامية ابن الوردي) اذ قال: كل أهل العصر غمرٌ وأنا منهم فاترك تفاصيل الجمل. الكتاب يشرح أبيات قصيدة ابن الوردي الشهيرة المليئة بالحكم والمواعظ، يتسم الشرح بالطابع اللغوي الفصيح، مأخذي على الكتاب انني لم أجد شرح بعض الأبيات التي قرأت الكتاب أساساً من أجلها. ملاحظة: في أول بيت من لامية ابن الوردي جاء ما يلي: اعتزل ذكر "الأغاني" والغزل وقل الجد وجانب من هزل. اختلفت المصادر فمنها من استخدم كلمة " الأغاني" ومنها ما استخدم "الغواني" اي النساء الغانيات، ان المعنيين صحيحان وجميلان ولكن أظن أن الأصح هي كلمة "الغواني" خاصة أن البيت الذي يليه أيضاً يستكمل الموضوع وينصح بترك "الغادة" وهي المرأة الناعمة اللينة.
الكتاب هو عبارة عن شرح لامية ابن الوردي وليس جميع أبياتها ،وإنما جزء بسيط منها وهي الأخير وهي تفاصيل الجمل وأبياتها عددها ٧٧ بيتًا وقد ألغز الكاتب عنها لغزًا جميلاً وهو : ورديّة الخد ،كثيرة الصد ،أمرها مابين هجر واطراح تهوى الجد ولايُعجبها المُزاح ،مر عليها مئات السنين ،وهي إلى اليوم لم تبلغ الثمانين سبحت أذيال الملام ،على أترابها من ذوات الملام ،لفظها سحر حلال ،وإن استهلت بالإعتزال ،إذ انقلب خليلها لم تجد له في اللسان طعمًا ،ولافي العين رسمًا ،ولافي المقاييس وزنًا ولاقصدًا
والشرح ماتع ولذيذ ،ولكنه قليلاً شعرتُ بالممل بسبب أن الكاتب يهتمُ بالشرح ولم يضع وجهة نظره وهذا الذي جعله مُملاً
وأنا كنت ممن يقول هذا القول بأن عقول سابقين لن يؤتى بمثلها في عصرنا
ولكن العقول هي العقول وإن كثرة الفتن والصوارف واختلفت الوسائل.
"هكذا الناظم ينتقل في حدائق الوعظ وبساتين النُصح .. تارة يزجر عن محظور، وحينا يوصي بمأمور، وآونة يلفت إلى خلق، ووقتا ينبه على معيب، وساعة يرشد إلى محبوب، وطورا يرغب في أدب، بلا رابط خاص، ولا مناسبة واضحة، سوى معنى واحـد، هو الإرشاد إلى مداواة النفوس، وتهذيب السلوك، والتنبيه على جوامع الأدب، ومثل هذا يكون فيه اللؤلؤ المنثـور خـيـرا مـن الـدر المنظوم، فمثله كمثل من يزرع الحب، ويخرص النخل، يزرعه متناثراً، ويخرصه مجموعا"
"وردية الخد، كثيرة الصد. أمرها بين هجر واطّراح، تهوى الجد ولا يعجبها المزاح. مر عليها مئات السنين، وهي لم تبلغ الثمانين. سحبت أذيال الملام، على أترابها من ذوات اللام.لفظها سحر حلال،وإن استهلت بالاعتزال." وصية جامعة رائعة أجاد الشارح عرضها باختصار وبلا تطويل، أتذكر أني سمعت شرحها من الشيخ سعيد الكملي، ولكن قراءة هذا الشرح كان فيها من الخير الكثير أيضًا، وهي مما يحسن بالمرء أن يذكر نفسه بها، بين الحين والآخر.
شُرحت فيهِ لامية الإمام ابن الوردي بالتفصيل واختار الكاتب العنوان من آخر أبياتها: " كُل أهل العصر غمر وأنا منهم فاترك تفاصيل الجمل" وهو بالفعل فيه تفصيل دقيق لمعاني اللامية والجمال الذي نسجهُ ابن الوردي في هذه الأبيات، وهي من أجمل القصائد التي كُتبت في الأداب العامة. استخدم الكاتب أسلوب مرتب في شرح الكلمات الغريبة أولًا بعد ذلك شرح معنى البيت مجملًا❤️.