مجالس الأدب في بغداد كانت عامرة في ذلك الزمن عرف فيه المجد طريقه إلى بغداد. حيث كان يلتئم شمل الظرفاء والأدباء. ولم تكن الأحاديث في هذه المجالس تقتصر على مطارحة الشعر ومناقشة أمور الأدب والدين واللغة بل كانت تتعدى ذلك إلى تناول مختلف المستجدات وقضايا الساعة التي لها علاقة بحياة الناس ومعيشتهم. كما تتناول تلك الأحاديث صفات العرب وسجاياهم وتقاليدهم وعاداتهم وأخبارهم. والكاتب بحكم كونه حفيد الشاعر العراقي الكبير ملا عبود الكرخي فقد أتيحت له فرصة الإطلاع على الكثير مما كان يجري في هذه المجالس فجاء كتابه ناطقاً بما حفلت به تلك المجالس من أحاديث وفوائد جمة، والكتاب في جزأين جاء الجزء الأول بمثابة متحف ضم صوراً نادرة لأعلام الشعر والأدب والصحافة والفن كالرصافي والرهاوي والكرخي وغيرهم كما عرف بجده الكرخي وآل الكرخي. وقد جاء الجزء الثاني ليضم مجموعة من المناظرات والطرائف والوقائع.
اعتقد ان العنوان الانسب للكتاب هو نوادر الكرخي واخرون. فهو يضم نوادر الملا عبود الكرخي وبعض من اصدقائه كالشعراء الكبار الرصافي والزهاوي وغيرهم . تلك النوادر اوردها حفيد الملا عبود الكرخي ( حسين الكرخي). مضمون الكتاب طريف ومسل وفيه عبق مرحلة تاريخية من تاريخ العراق بصورة عامة والادب بصورة خاصة ، لكن من يقرأ العنوان سيعتقد انه يتحدث عن مجالس الأدب في بغداد بصورة عامة ولن يعتقد انه ترجمة لشخصية معينة او انحياز واضح لها. بالنسبة لي استمتعت به جدا لان هكذا كتب مسلية ومفيدة في ان رغم ان اعتراضي الوحيد هو على العنوان.
تعد بغداد كم اعظم مدن العالم في القرون الوسطى ، فهي بلد العلماء والأولياء ، حظيت بعناية الباحثين والعلماء والمؤرخين والجغرافيين والمستشرقين وغيرهم بوصف بغداد وتدوين اخباررجالها والكتابة عنها في شتى الميادين . عندما استوطن الكاتب بغداد عام 1965 ، كان يحضر بعض مجالس العلماء ورجال الفكر والأدب ، فكر بتدوين مايدور في هذه المجالس من نقاش وما يروى من شعر ونثر وأدب ، ووصف طبيعة كل مجلس والأشخاص الذين يحضرون وكتب ترجمة عن شخصية صاحب المجلس ، بعض السادة اصحاب المجالس لم يقبلوا ذكر مجالسهم تواضعا . هذا الكتاب هو تكملة لما بدأه الاستاذ ابراهيم عبد الغني الدروبي البغدادي في أواخر العهد العثماني في كتابه " البغداديون أخبارهم ومجالسهم " عام 1958. من هذه المجالس : مجلس امجد الزهاوي، مجلس كمال الدين الطائي، مجلس عبد الله الشيخلي ، مجلس فؤاد الألوسي، مجلس نجم الدين الواعظ، مجلس عبد القادر الخطيب الأعظمي ........ كتاب شيق ومختصر، تعرفت فيه على هؤلاء الرجال الكرام وعن مايدور في تلك المجالس، لأني نشأت بعيدة عن ارض الوطن وتاريخه .
كتاب ظريف وإن كنت اعتقدت من العنوان أنه يشمل توصيفاً لمجالس الأدب في بغداد كل مجلس عل حدة، ولكن الكاتب كان يسرد فقط المواقف المختلفة التي تعرض لها جده الشاعر العراقي الكبير ملا عبود الكرخي في المجالس المختلفة، سواء كانت مجالس أدبية متخصصة أو مجرد مناسبات عامة، وكذلك مجالسه الخاصة، فأساس التوثيق هنا هو جد الكاتب لا مجالس الأدب ذاتها، ولكن في المجمل استمتعت بقراءة الكتاب، وإن كان ذكر الحوارات وبعض المقاطع الشعرية باللهجة العراقية العامية كان عائقاً أحياناً في سلاسة الفهم، ولكن ما لبثت أن اعتدت عليها بعض الشيء