What do you think?
Rate this book


103 pages, Unknown Binding
First published January 1, 1977
إن طبيعة كل قمة أن تُرى... وأن تملأ العيون، وأن يتلامح هذا الجانب منها أو ذاك، مما يبدو وكأنه يغني عن اكتشاف الذروة فيها، والبحث فيما وراء الظاهر من قوامها... ولكن... كل هذا... لا يعني اكتشافها...
أن نسمع بقمة من قمم الهيمالايا، أو أن نقترب من سفوحها وأن نرفع أبصارنا إلى ذراها الضاربة في أحضان السماء، وأن يأخذنا العجب، بما يتلاحق فوق سطحها من المرائي والصور، يتفرق عنها الضباب فتشرق وتسطع لها الألوان والظلال ثم يتجمع ويتماسك، فيلفها، وتتلامح فيشتد الشغف بتأمل الدقائق واستشفاف التفاصيل الغائبة وراء هذا الضباب... كل هذا لا يعني سوى أننا رأيناها... ولكن الاكتشاف شيء آخر... وليس بيننا من لم يسمع عن البعثات التي تغامر بمحاولة اكتشاف هذه القمم، وما يتعرض له أعضاؤها من الرجال، من أخطار بل ما يفاجأون به من أسباب الفناء والدمار.
وهذا... وأعني اكتشاف القمة الأدبية التي أتحدث عنها، لم يحدث حتى هذه اللحظة...
ولقد كنت واحداً من هؤلاء الذين رأوها... بل كنت واحداً ممن جمعهم بها إطار الزمالة - ولا أقول الندادة - وممن توثقت بينهم وبينها وشائج الود والصداقة والألفة، والتصادم الفكري، ولكني كنت أيضاً واحداً ممن لم يزد حظهم من اكتشافها حظ الآخرين... وأعني أنني عرفتها وشهدتها شامخة، تعيش الحياة، وأعيشها معها عرضاً أغني عن الطول، وفترة من أيام بل سنوات صرم حبل امتدادها نزوح هذه القمة إلى مصر، وتعسر كل محاولة بذلتها للعودة إلى وطنها... إلى هذه الأرض وإلى جدة بالذات، إلا بعد أن اجتازت هذا الممر المحتوم، من الحياة الفانية إلى الدار التي ينكشف عنا - في انتقالنا إليها - الغطاء فبصرنا يومذاك حديد... ولكنها أيام وسنوات كانت على قصرها أزماناً طويلة وعريضة وعميقة، ترافق فكر، وتموج شعر، وتزخاراً بما يشبه الكنوز الدفينة ثراء ذكريات، وتجنح أحلام وآمال.
وبعد... إن هذه القمة في أدبنا، هي الصديق، والأخ الحبيب، والزميل الكبير المرحوم الأستاذ (حمزة شحاتة)