أدرك الفكر الحداثي العربي أن العائق الأكبر أمامه لتبيئة الحداثة والعلمانية الغربية في المجتمعات الإسلامية يكمن في المنهجية المعرفية الإسلامية المؤطرة بأصول الاستدلال الأربعة التي بها حُفظ الإسلام وحُفظت شريعته، فاتجه رأساً إليها هي من الأساس، سعياً في تفكيك المنهجية المعرفية الإسلامية، وهدم بنائها، بمعول الفكر الغربي المعاصر. وذلك من خلال تحقيق هدفين عامين هما: محاولة التأكيد على ظنية ثبوت القرآن وحياً إلهياً، وبالتالي ظنية ثبوت الأصول الأربعة أصولاً تشكّل مرجعية نهائية. والثاني، وهو مبني على الأول، محاولة التأكيد على تاريخية تلك الأصول، بمعنى استحالة أن تكون مطلقة متعالية عن تحكّم الواقع المادي التاريخي في تكوينها وإنتاجها، وبالتالي محدوديتها بزمانها الذي ظهرت فيه. وهذا الكتاب يقوم بدراسة تحليلية نقدية للفكر الحداثي العربي تسعى إلى بيان تهافت نظريته التي أقام عليها نقده لمنهجية المعرفة الإسلامية، من خلال الحفر في أصوله الفلسفية المنتمية إلى الفكر الغربي والكشف عن كونها نتاج مشروطياتها التاريخية: الثقافية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية التي عانتها الحضارة الغربية.
وتكشف الخلل في منهجيته المتمثل في الانتقائية لما يخدم فكرته من "التراث" والحذف والتحريف للمعطيات المعرفية والتاريخية التراثية التي يجد فيها ما لا يستقيم مع ادعاءاته .
وتكشف عن دعواه في كونه يتعامل مع الأفكار الغربية بوصفها أدوات إجرائية لا عقائد ثابتة؛ إذ لا نجده يمارس العقلانية النقدية على النتاج الفكري الغربي كما يمارسه على التراث الإسلامي، بل نجده يعتبر معطيات الفكر الغربي مسلَّمات يجب أن يحاكم إليها كل ما سواها مما ينتمي إلى الماضي.
*الخطاب الحداثي العربي خطاب ينتمي إلى التيار العلماني، لكنه يختلف عن الخطابات السابقة التي مثلت التيار العلماني في الفكر العربي المعاصر في مراحله السابقة، كونه يتبنى نظريات المرحلة الثانية للفكر الغربي مرحلة الحداثة وما بعدها، وأنه يشتغل على نقد التراث من داخله. *الحداثة مفهوم خاص يمثل آخر مراحل الفكر الغربي منذ النهضة إلى زمننا المعاصر، وتتسم فلسفتها بسمتين أساسيتين: هما : -القطيعة مع التراث الماضي المعرفي؛ تلك القطيعة التي أنتجت ثورة معرفية على كل البداهات المعرفية السابقة. -الصيرورة المستمرة، فليست هناك غاية للوصول ينتهي عندها البحث المعرفي أو مرجعية يعود إليها التفكير المعرفي. *يقوم مشروع الفكر الحداثي العربي في قراءته للتراث الإسلامي على بلورة ثلاثة مفاهيم أساسية: التاريخية، والعقل مقروناً باللا عقل، والتأويلية الحديثة. -التاريخية؛ تعني نسبية كل شيء وتعدد الحقائق. -أما ما يتعلق بمفهوم العقل فليس هناك عقل ثابت بل هو عقل تاريخي تحكمه الصيرورة المستمرة. -وأما التأويلية الحديثة فتتأسس على انفصال الدال عن المدلول. *كان الشاغل البحثي للفكر الحداثي في تفكيك الأصول ونزع القداسة عنها هو الشاغل الأيديولوجي، وهو المسيطر على التفكير عنده. *لا يستطيع الفكر الحداثي إلى نتائجه التي أقام عليها دعواه في تاريخية الإسلام: تاريخية أصوله وما يتضمنه ذلك من تاريخية عقائده وشرائعه، إلا من جهة النقد الأيديولوجي، الذي هو في حقيقته منهج طيع لمن أراد تركيب ما يشاء من الدعاوي على المسلمات والثوابت. *يبني الفكر الحداثي موقفه من النص القرآني على أمرين: إنكار كونه وحياً منزلاً من الله تعالى، وتأكيد بشرية تكوينه، ومن ثم إمكانية وقوع التدخل فيه بالحذف والزيادة والنقصان. ويبني موقفه من السنة النبوية على إنكار حقيقة النبوة المتمثل في إنكار أصليها: الوحي والعصمة.
هذا الكتاب في أصله رسالة علمية للحصول على درجة الدكتوراه للباحث. هناك بعض الصعوبات واجهتني في تأصيله للموقف الحداثي أو توضيحه وبيانه للأصول التي انبنى عليها موقف الفكر الحداثي وأتصور أن ذلك يرجع إلى سببين: أولهما عدم معرفتي بالفلسفات الحداثية وما بعد الحداثية بشكل ييسر لي الفهم، والثاني هو تصوري بأن الكاتب لم يهضم هذه الفلسفات بالقدر الذي يجعله يبينها بدون هذا التعقيد أو الصعوبة التي قد تواجه القارئ المهتم أو المثقف الذي ليس له خلفية فلسفية. الفكر الحداثي العربي فكر علماني لا يوجد عنده ثوابت إلا فلسفات الغرب التي هي عند أصحاب هذا الفكر بمثابة العقيدة التي مجرد تبنيها يخالفها ويوقعهم في تناقضات! كذلك نتيجة اعتمادهم على التأويل ولي النصوص إلى ما غير ذلك تجد في مشاريعهم الفكرية تناقضات كثيرة وأضف إلى كل ذلك أن ظاهر هذه الكتاب يوحي بأنها أقلام تقطر نفاقًا وطعنًا في دين الله ورسوله والعياذ بالله، جعل الله جزائهم عدلًا لا فضلًا