هذا الكتاب عبارة عن تسع دراسات في مواضيع متعددة يفترض حسب عنوان الكتاب أنها تتحدث عن الأقليات الدينية والإثنية. وجدت بعد ذلك عنوان الكتاب في الداخل بعد الغلاف قد أضيف إليه نص "بعد الربيع العربي" ليصبح العنوان "الأقليات الدينية والإثنية بعد الربيع العربي".
ذلك هو الانطباع العام الذي تكون لدي حين اقتناء الكتاب وعند الشروع في قرأته, أنه سوف يقدم معلومات تاريخية ومعاصرة اجتماعية عن أبرز الأقليات في الشرق الأوسط وأوضاعها مع التغيرات الاجتماعية والسياسية من خلال "الربيع العربي" وصعود بعض التيارات الدينية على المشهد السياسي في بعض بلدان المنطقة مثل مصر وتونس والعراق. أي ما هو حاضر تلك الأقليات في ظل شعارات تلك التيارات الدينية وممارساتها على أرض الواقع فيما يخص تلك الأقليات في بلادها؟ وكيف يمكن النظر إلى مستقبلها في ضوء ذلك؟ يظهر من تقديم رئيس المركز للكتاب أن ذلك هو الهدف العام من هذه الدراسة.
في الحقيقة تتفاوت الدراسات التسع في القرب أو البعد من ذلك الهدف العام من الكتاب, كما أنها تتفاوت في عمقها وجودتها.
الدراسة الأولى من اعداد ريتا فرج (لبنانية) بعنوان "الأكثرية والأقلية في الإسلام المعاصر جدلية الفقه الحركي والواقع".
تعالج الباحثة تطور الفقه الحركي المعاصر وتعاطيه مع بعض المصطلحات الفقهية الإسلامية فيما يخص الآخر وهي دار الحرب ودار السلام وأهل الذمة. ما هي الإشكاليات الواردة عند الفقه الحركي المعاصر فيما يخص الأقليات؟ هل الحل الوحيد يتمثل في الدولة المدنية؟
ما هو المقصود بالأقلية ؟ والأكثرية؟
تلقي الباحثة النظر على الجذور التاريخية لبروز مسألة الأقليات في الشرق الأوسط وتطورها التدريجي خلال القرون الماضية مع تراجع وانهيار الدولة العثمانية. تستعرض بعض المعلومات بخصوص التوزيع الجغرافي للأقليات في المنطقة لا تخلو من بعض الخلط وعدم الدقة في التفاصيل ولكنها تعطي تصور مجمل عن المشهد.
تستعرض الباحثة ثلاث تجارب لحركات دينية فيما يخص الأقليات وهي التجربة الإخوانية في مصر وحزب النهضة في تونس والحركة السلفية في مصر متمثلة في حزب النور.
الدراسة الثانية من اعداد عبدالحسين شعبان (عراقي) بعنوان " المسيحيون والصابئة المندائيون في ظل حزب الدعوة ".
يفضل الباحث استعمال مصطلح التنوع الثقافي أو التعددية بدل الأقليات حيث يرى أنه الأقرب إلى مبادئ المساواة وعدم التمييز وذلك في اطار الحقوق المتساوية ولا سيما حقوق المواطنة. هويات متنوعة وحقوق متساوية بغض النظر عن الأكثرية والأقلية العددية في ظل تنوع المجتمع العراقي من حيث القوميات والأديان والطوائف واللغات. ذلك التنوع الذي تجمعه الهوية العراقية الجامعة.
يشير الباحث إلى الاختلال الذي أصاب التوازن ما بين الهوية الوطنية العامة والهويات الفرعية بعد الاحتلال الأمريكي للعراق عام2003 حيث برزت الهويات الفرعية لأصحاب الأكثريات العددية ودخولها المشهد السياسي لتعبئة الفراغ الحاصل. نتيجة لذلك يشهد العراق صعود التيار الإسلامي واحداث عنف طائفي والذي أدى لزيادة قلق الأقليات العددية. وبالفعل شهد العراق بعدها نقصان في أعدادها بهجراتها إلى الخارج خوفا على وجودها حيث أنها لا تملك ميليشيات مثل غيرها, ولا تملك سوى وجودها الإنساني والحضاري.
يستعرض الباحث الوزن التاريخي للمسيحيين والصابئة المندائيون في العراق, محنتهم بعد الاحتلال, وما يجب عمله في نظره تجاه ذلك.
في دراسته يظهر تعاطف الباحث مع حال الأقليات في العراق – وهو المنتمي تقليديا إلى أكثرية عددية – وأنه لابد من الإقرار بمبدأ المساواة لا على أساس أغلبية دينية أو قومية بل على أساس الهوية المشتركة المتعددة المتنوعة القائمة على مبدأ المواطنة دون تمييز بين أكثرية أو أقلية عددية.
الدراسة الثالثة من اعداد إبراهيم بحاز (جزائري) بعنوان " جبل نفوسة بين الماضي والحاضر ".
تتحدث الدراسة عن الإباضية في جبل نفوسة بليبيا. ما هي الجذور التاريخية لوجودهم هناك؟ ما هو دورهم في تأسيس الدول الإباضية في تلك المنطقة؟ دورهم في حفظ التراث الإباضي والإسلامي , مع ذكر لأبرز شخصياتهم هناك قديما وحديثا.
الدراسة الرابعة من اعداد شكري الصيفي (تونسي) بعنوان " الأقلية الشيعية في تونس النهضة ".
يتحدث الباحث عن التطور التاريخي منذ سبعينات القرن الماضي لهذه الأقلية بحيث أنها وافدة على المجتمع التونسي. يتحدث عن نشاطها الثقافي, علاقتها بالسياسة الداخلية ومع الحركات الإسلامية فيما قبل وبعد أحداث الربيع العربي في تونس.
الدراسة الخامسة من اعداد عبدالحكيم أبو اللوز (مغربي) بعنوان " حرية المعتقد الديني بين القانون واكراهات الواقع ".
تتحدث الدراسة عن وضع موقع الإسلام في المغرب سواء في الحكم أو المجتمع. ما هو وضع الأقلية اليهودية التاريخية في ضوء القانون والأكثرية المسلمة والتيارات الدينية؟ ما هي الإشكالات الواردة على حركة التبشير المسيحية والتضييق عليها؟ الدراسة تقوم بمقاربة الوضع القانوني للأقليتين اليهودية والمسيحية في المغرب وما بين واقعها الاجتماعي وملابساته.
الدراسة السادسة من اعداد نبيل العتوم (أردني) بعنوان " الأرمن واليهود في عهد الثورة الإسلامية الإيرانية ".
يستعرض الباحث – وهو متخصص في الشأن الإيراني – العلاقة التاريخية لليهود بالفرس وايران قديما وحديثا, بالإضافة إلى التواجد الأرمني المسالم على أرض ايران. نعم هناك بعض الإشكالات فيما يتعلق ببعض الظروف السياسية والصراع مع إسرائيل بالنسبة إلى اليهود, وتهمة التنصير بالنسبة إلى الأرمن.
يرى الباحث أن وضع الأقليتان اليهودية والأرمنية هي أفضل حالا من وضع بعض الأقليات الإثنية والمذهبية في ايران.
الدراسة السابعة من اعداد عبده مختار موسى (سوداني) بعنوان " الأقليات في السودان الوثنيون والأقباط وآخرون ".
الدراسة بشكل عام تتحدث عن صراع المركز ذو الهوية العربية المسلمة مع بعض الأقليات غير المسلمة في جنوب السودان بالإضافة إلى صراع الهوية مع النوبة في الشمال.
الدراسة الثامنة من اعداد محمد نورالدين (لبناني) بعنوان " الأقليات في تركيا في ظل حزب العدالة والتنمية ".
يتحدث الباحث – وهو متخصص في الشئون التركية – عن الأقليات في تركيا قوميا ومذهبيا ودينيا. الأكراد كأقلية قومية, العلويين كأقلية مذهبية, المسيحيين (ممثلين في الأرمن واليونانيين) واليهود كأقليات دينية.
الدراسة التاسعة من اعداد عبدالغني عماد (لبناني) بعنوان " خطاب المواطنة والإسلام السياسي المعتدل ".
دراسة فكرية معاصرة تتحدث عن الحركة الإصلاحية الإسلامية في القرن التاسع عشر, حركة الاجتهاد المعاصرة مع بعض رموز الإسلاميين والموقف من الديموقراطية والهوية والمواطنة.
مما سبق قد يظهر تفاوت الدراسات التسع من حيث قربها أو بعدها عن موضوع الكتاب الرئيسي. بعض الدراسات لم أجد علاقة مباشرة لها بعنوان الكتاب وموضوعه وأخص الدراسة التاسعة والأخيرة. ربما تكون الدراستان الأولى والثانية هي الأقرب في وجهة نظري لتحقيق الهدف العام للكتاب.
الكتاب على العموم لا بأس به, لا يخلو من معلومات مفيدة بل جديدة على بعض القراء. كما أنه يجب الأخذ بالاعتبار أن الكتاب من طباعة عام 2013, مما يعني أن بعض المعلومات والتحليلات قد تكون خضعت للتغيير من خلال مستجدات العقد الماضي.