حدقت في الباب الحديدي الضخم الذي وقف أمامها بتصميمٍ قاتل، كأنَّه يراكم خلفه حياتها التي لا تعرف عنها شيئًا بعد، فامتد وتطاول واتسع كأنه مضروبٌ بين الأرض والسماء، بينها وبين الأمل، شعرت أنها كلما حدقت فيه أكثر يكبر أكثر ويغلظ، ويصير جلادًا ووحشًا وعفريتًا ورجالاً كثيرين، شعرت أنه متصلٌ بالجدار والغرفة كاملةً، وأنه يزداد صلابةً وتماسكًا، وأن الغرفة تصغر وتضيق وتصير حفرة غائرة في باطن الأرض، لم تكن تفكِّر في جرحها بعد أن تيبس الدم على أطراف أصابعها ووجهها مختلط بالدمع واللعاب والمخاط، كان الباب الكبير هو ما يستولي على تفكيرها، تجلس على السرير قبالته، وتسند رأسها على الجدار .. وكلما فكَّرت فيه أكثر كلما ابتعد الناس والحياة وجاراتها ووعملها وضحكاتها وأمها وبيتهم وحتى النذل "ناصر" الذي وضعت قلبها تحت قدميه لأنه كان أول رجلٍ في الحياة يقول لها كلامًا جميلاً ..........
كنت سأبدأ تعليقي على هذه الرواية كما بدأته على رواية حين رحلت : مع كامل احترامي للروائيات السعوديات.. إلى آخره ولكن الحديث عن أسلوب الرواية في الخليج -إلا ما رحم ربي- بات مرهق لدرجة كبيرة .
لم أجد في هذه الرواية سوى كبوة أدبية و صفع ملاحظات متتالية لتشكيل رواية، فقر في الأحداث يقابله طغيان المونولوج الداخلي الذي شكّل دعامة الرواية الرئيسية - استعرضت من خلاله الروائية طاقتها السردية بشكل أثبت نفسه بنجاح- لكنه أشعرني في ذات الوقت بعدم قدرتها على موازنة عناصر بناء الرواية، لم تجتز - حين رحلت- روايتها التي سبق و قرأتها، بل تقهقرت بشكل ملحوظ بدليل الخلل في الأحداث هنا و وهن النهاية الذي أوصل صراع قضية البطلة للإستسلام.
النجمة لأنها انحازت للجهة الصحيحة حين اختارت بطلة روايتها، انحازت للكثرة كما رأت على خلاف العته الأدبي في الانحياز للقلة الذي تنتهجه العديد من الأقلام المبتدئة للترويج عن فكر غريب، المشكلة هنا - التي لا أريد الجدال حولها- و أدعو الله ألا تكون نادية هي الكثرة بالفعل، نادية ليست كدمة لنستعرض قضيتها بهذه الطريقة ،و لا نتمنى الكثير من الكدمات لأي مجتمع كان.
هل يمكن التعبير عن القهر إلا بوصفه قهرًا؟؟ هل ينتهي الحديث عن الظلم والكبت والقمع لمجرد أن ثمة حكايات "عادية" و"متشابهة" تدور حولها المجتمعات البشرية باستمرار؟ يبدو أن للأدب رأي آخر، وفي هذه الرواية طريقة أخرى للتعبير عن ذلك "القهر" و"الظلم" المجتمعي الذي يبدأ بالمرأة ليجعلها أمثولة للعالم كله، رجالاً ونساءً كبارًا وصغارًا، يتساوى فيه من عاشوا حياة مترفة ومن عاشوا على الكفاف! في روايتها الثالثة (خلف العالم ـ الصادرة مؤخرًا عن الدار العربية للعلوم ) تركز "سهام مرضي" ومنذ بداية الرواية، أنها تختلف عن "إيزابيل الليندي" في اختيار أبطال روايتها إذ تعلن انحيازها إلى "الطيبين أصحاب الرؤى النمطية" في الحياة من بين الحشود الباهتة والمتشابهة، الجماهير التي يختلط صوتها فيكون غالبًا صاخبًا وحشيًا لا يفهم لكنه مخيف، وهكذا تراهن الكاتبة على أحقية بطلتها "نادية" في خوض غمار تجربة روائية، بل واختيارها هي بالذات للتعبير عن المجتمع وما يمارسه على الفرد البسيط المهمش، حتى الموت، بل وتدخل رهانًا آخر وتحديًا أكبر حينما تقتصر أحداث الرواية وأماكنها على غرفة "نادية" التي تجد نفسها فجأة محاطة بين جدرانها الأربعة، تلك الغرفة التي غدت بعد يومٍ أو يومين بمثابة المعادل الموضوعي للعالم الذي دارت "نادية" حوله طوال عمرها، لتكتشف أنها عاشت عمرها كله أسيرة "غرفة انتظار" كبيرة لم يعد بإمكانها الآن، بعد أن تخلت الحياة عنها إلا أن تستلم لمصيرها فيها .. تبدو الرواية "كابوسية" إلى حدٍ ما، فثمة امرأة تموت خلف جدارٍ صلب، ولا أحد في "العالم" يشعر بها، وهي بذلك في الوقت نفسه تدق ناقوس الخطر، بشكل رمزي غير مباشر حيث تغدو تلك البطلة وعالمها المغلق معادلاً موضوعيًا لكل قصص القهر والكبت في المجتمع على اختلافها وتنوعها، أجادت سهام التعبير عن بطلتها بشتى الطرق، واستطاعت ببراعة خلال 100 صفحة أن تمسك بتلابيب القصة وتجر القارئ إلى عالم بطلتها مهما كان نمطيًا وعاديًا ليتحد تمامًا مع أزمتها ويعيش خلف العالم مراقبًا صامتًا .. (كانت تشعر وهي تتحرك في غرفتها أنها تجر خلفها آلاف النساء الساكتات، يرتدين ثوبًا واحدًا ويبكين ويقطِّعن أيديهن، ولم تكن لتقودهن إلى أي مكان بل كانت تجلس وتنتظر، فهي لا تعرف أي طريق، والطرق لا تنادي أحدًا، ولا تسحب القاعدين، وكان هذا يناسبها، ويناسب فكرتها عن الصبر والقناعة) ..... بقية المقال هنا: http://www.alketaba.com/index.php/201...
وحيدا أصفق بيدي للجملة القائلة أن الألم هو رفض خفي، يأبى هو الأخر أن يخجر من دواخلنا ، نحاول أن نبكيه فيزيد من ملوحة دموعنا، فالمعاناة لا تمثل إلا وجها قبيحا للرفض. الأبطال الذين نكتبهم هم صورنا التي نرفضها في واقع ، هنا الرفض ليس مطلقا، ربما كان من قبل المجتمع، فيتحول الرفض على مستوى الذات، لكل ما يمكن أن يقال عنه أنه جميل، لكن تجبني نفسي المتألمة قائلة بأن الكتابة التي تخجل من إخراج صرخات الرفض هي كتابة عرجاء تعيق تطور الإنسان. لطالما روادها إحساسا بالنزول إلى العالم السفلي كلما وطأت رجلاها سلالم البيت، الذي تعود اليه بعد كل دوام ، الإحساس بالدونية هو الذي يخلق عالما خلف عالم. .... .... ... .... ... ... ... .... الرواية مؤلمة .
كنت أتوقع أن يكون عالم "سهام" أرحب من هذا بكثير, قرأت لها سابقاً روايتها "حين رحلت" وفتنت بلغتها وبتحليلها لشكل الشارع في الأوساط المحليه وطبيعه المجتمع من خلال الإسقاطات التي طرحتها في روايتها تلك, ولا أنكر أنه حال صدور هذة الرواية "خلف العالم" بحثت عنها بشغف وحماس كبير متوقعاً أن العمل الثالث لا بد وأن تكون مساحته أكبر وأن يتجاوز الأخطاء التي وقعت فيها "سهام" في محاولتها الأولى والثانية, إلا أن مستوى الحماس خف وقل وأنا أشرع في القراءة بين فصول الرواية, فقد تناولت "سهام" في روايتها هذة أنموذجاً نمطياً ليلعب دور المحرك الرئيسي والشخصية الأولى والوحيدة البارزة في معترك أحداث الرواية, فجاء النص تقليدياً في صبغته, وفي شكل الموضوعات التي طرحها وناقشها على إمتداد السرد.
مع ذلك كله ما زال أسلوب "سهام" الرشيق في السرد حاضراً في هذا النص وبقوة, إلا أنه من الواضح جداً أن الرواية كتبت بدون أي تركيز عالي في المحتوى وحيثيات السرد, فقد خلقت "سهام" عالم "نادية" ليكون شكلاً تقليدياً من أشكال النشأة المتعارف عليها في أوساطنا المحلية وإن كان في بعض الحالات يكون بوطأه أخف وأقل حدة, إلا أن أسرة "نادية" تشبه أسرتي وأسر كثيرة من حولي تأخذ فيها الأم دور القائد والمربي ويلعب فيها الأب دوره في المشاهد الخلفية دون أي تدخل مباشر في تربية ونشأة أبنائه وبناته, وتلعب العادات والتقاليد والإنجراف التام وراء مشايخ الدين والعقيدة وأراءهم دوراً كبيراً في نشأة أفراد تلك الأسرة سواء كانوا من الذكور أو الإناث, وأن كان التركيز على الإناث يكون أشد وأقوى, ليكون الكبت ومن ثم الإنفجار والإنحراف عن الطريق السوي سمة أبناء تلك العائلة, بعدما عاشوا تجربة ضيقة في مناحي الحياة أثناء نشأتهم وبمجرد أن ينضجوا ويتحرروا من سلطة الوالدين يعيش كل شخص منهم حياة مفتوحه دون أي تحفظ ليعوض بها عن مقدار الكبت الذي عاشه في مراحل النشأة الأولى.
النص فيه العديد من الإسقاطات الجوهرية على الواقع المحلي, لكن قد تكون لمن هو إبن هذة البيئة شيئاً إعتيادياً ومنطقياً ومتعارف عليه, ومجرد تسليط الضوء عليه في سرد أدبي لا يحسب إكتشافاً عبقرياً للقارئ المحلي, فحينما تحدثت "سهام" عن أسرة "نادية" وأنهم إعتادوا أن يكبت كل شخص منهم همه في داخله حتى لا يثير به حفيظة الآخرين من حوله, وأن كل فرد من أفراد أسرتها مستغني عن الآخرين بمشاكله, فلو سأل أحد منهم الآخر عما به لكان جوابه مباشرة "لا شيء" لأنها الإجابة المنطقية والجواب المعتاد لمن نشأوا في بيئة حريصة على تسيير الآخرين وفق قواعدها وقوانينها دون إعطاء أي فرصة للفرد ليكون نفسه وليتصرف على طريقته ليتحول المجتمع بأفراده إلى مجتمع يعيش تحت كبت وضغط جماعي من جهات خارجية فيؤدي ذلك الى كبت داخلي على مستوى الفرد, فيخلق كل فرد داخل الأسرة والمجتمع ككل جداراً عازلاً حول نفسه يحمي به خصوصياته من تدخلات الآخرين, فهي من خلال هذا التحليل طرحت نظرية إعتيادية لمن هم من بيئة قريبة من بيئة أسرة "نادية" ولم تقدم تحليلاً جديداً ومبهراً للقارئ المحلي والباحث عن طرح جديد ومختلف. على كل حال كانت قراءة خفيفة ولا بأس بها, وأتمنى أن تكون تجربة "سهام" المقبله أكثر إلهاماً وتميزاً خصوصاً وأنها تمتلك حاسة السرد اللطيف ومن المؤسف أن تضيع في شخوص وموضوعات حدودها ضيقة ومكررة.
رواية مضجرة ... أقصى مايمكنني قوله . لا اعرف لما كل هذا الاصرار على كتابة رواية (...) لا اريد التعليق كثيرا حول النص . لكن ما اود قوله أن سهام مرضي تملك اسلوب يصل إلى العظم بروعته في كتابة "النصوص الحرة" .. لم يعجبني ابدا خطها في هذا الجنس الادبي "الرواية" .. فلماذا الإصرار على كتابة رواية وهناك خط وجنس ادبي ك"نصوص حرة" يمكنها ترفع اسهمها عند القارئ ويستمتع بقراءتها .لماذا تحجب حضورها وإبداعها في كتابة النصوص الحرة ?.