كان عبد الناصرمولعاً بالعمل السري منذ أن شكل خلية الضباط الأحرار قبل الثورة وهى امتداد بشكل ما للتنظيمات السياسية التي أقامتها هذه الثورة ونستطيع أن نميز خطأ بارزا ًفي العلاقة بين أول تنظيمات الثورة السياسية في نهاية الأربعينات وأخر تنظيم سري أقيم داخل الإتحاد الإشتراكي- التنظيم الطليعي السري عام 1963 على الرغم من أنه كان على قمة الجهاز السياسي وفي كامل قوته. وكانت فكرة عبد الناصر إيجاد تنظيم منضبط مثل التنظيمات الشيوعية وقد أراده سرياً لما أبداه من رغبته في حماية أعضاء التنظيم. وقد تكاثر هؤلاء الأعضاء- كما يقول شاهد عيان- بحيث لم يعد بالإمكان حصرهم وأصبحت هذه المهنة- كتابة التقارير- مشاعاً لكل من يرغب في طرق الأبواب الذهبية لنظام عبد الناصر ولو فوق رقاب البشر فقد كان عبد الناصر يعتبر هذه الكتابة إخلاص أو إتقان أو كفاءة وهؤلاء أوجدوا أجواء متوترة ومسمومة فلم تكن هزيمة 1967 منفصلة عن هذا الواقع. عموماً فسوف تتناول هذه الدراسة- سيتبعها جزء ثان وثائقي- من خلال مقدمة وأربعة فصول وملاحق نشأة التنظيم الطليعي السري وأبرز قيادته ونماذج من تقاريرهم السرية. وتشكيلاته ومدى تغلفهم في وسائل الإعلام والقضاء والجامعات والنقابات..... من خلال وثائق جديدة على درجة كبيرة من الأهمية.
كما يقول دكتور هشام السلاموني في تقديمه لهذا الكتاب المهم ( إن الحقيقة- التي لا يستطيع أن يماري فيها منصف- تؤكد أن لعبة الاستبداد والفساد ، والفشل الإداري بداية من مستواياته العليا ، وضياع حقوق الإنسان في بلادنا ، بدأ مباشرة بعد قيام ثورة يوليو ١٩٥٢).
هذا الكتاب يبين لك في صورة شديدة الوضوح لا كيف يقتل الاستبداد الإنسان فقط ،ولكن يوضح بصورة كبيرة أي مستنقع أخلاقي يمكن أن يُلقي فيه الإنسان المقهور ؛ حتى يتحول إلى مجرد " مُخبر" للأجهزة الأمنية يكتب التقارير عن إخوته وأصحابه وعن أبيه وأمه !! .
ولا تتعجب إذا كان أحد رجال السلطة الناصرية وهو سامي شرف- أثناء التحقيق معه في عهد السادات - يتباهى بوطنيته التي جعلته يُبلّغ بنفسه عن شقيقين له ، أحدهما كان ضابطًا في الشرطة وينتسب للإخوان ، والآخر ضابط في القوات المسلحة رأى سامى شرف أنه يجرى اتصالات مع ضباط رآها ضارة !! .
هذه فترة حالكة من تاريخ مصر ، الكل فيها يتجسس على الكل ، حتى قادة التنظيم الطليعي يُسجلون لبعضهم بعضّا ، وقد احتفظوا بهذه التسجيلات إلى أن جاء اليوم الذي قدمها السادات كأدلة إدانة ضدهم جميعًا .
هذا الكتاب يحكى فصل مظلم من فصول الناصرية الحالكة ، يحكى عن تأسيس ناصر- وهو رئيس الدولة- لتنظيم سري سماه بطليعة الاشتراكيين أو التنظيم الطليعي ، الذي كان من إفرازاته أو مخلفاته معظم قيادات اليسار الآن ، وهم كانوا أغلب قيادات حزب التجمع كرفعت السعيد الذي تربى في التنظيم الطليعي على كتابة التقارير .
لقد حكم عبد الناصر مصر وهو يحمل قلقًا لا حدود له ، لا من جانب إسرائيل وقوى الإمبريالية في وقته ، بل من الجيش نفسه ومن الشعب ، ومن هذا الهاجس أنشأ هذا التنظيم الطليعي السري في الجيش والشرطة والنقابات والوزارات و...و.. بغرض السيطرة على مفاصل الدولة ، فتحول الكل إلى مُخبرين إلا من رحم ربي ، بل ستجد أسماء لامعة كانت ضمن هذا التنظيم الذي كان أمينه "شعراوي جمعة" وزير الداخلية ، فمن أعضاءه مثلًا رفعت السعيد وهيكل وأحمد بهاء الدين والشيخ عبد الحليم محمود " شيخ الأزهر فيما بعد" وكمال الشاذلي وفتحي سرور ويوسف إدريس ومحمود أمين العالم ، وغالبية التنظيم من الماركسيين الذين يكتبون تقارير عن كل شيء وأي شيء .
وقد اطلع مؤلف الكتاب د.حمادة حسني على التقارير التي كتبها أعضاء التنظيم الطليعي ، وهناك في الكتاب حوالي (٢٣) ورقة عبارة عن نماذج لعناوين تقارير كتبها أعضاء التنظيم الطليعي في الفترة من عام ١٩٦٥ إلى عام ١٩٧١ ، فمثلًا: ( مذكرة حول نشاط أحمد سعيد مدير صوت العرب ) و ( مذكرة مقدمة من محمود العالم حول بعض الندوات السياسية بين طلبة الجامعة والطلاب العرب ) و ( مذكرة عن بعض العائلات القبطية تقوم مساء كل ليلة بفتح جميع حنفيات المياه بمنازلهم ) .
ولا تتعجب فهي تقارير عن أي شيء ، ففي وطن يتحول فيه المواطن والمثقف إلى مخبر؛ سترى فيه تقارير قد تعتبرها قمة الهيافة وقمة الوساخة معًا ، فحتى جنازة مصطفى النحاس كُتب عنها تقرير ، أما التقارير عن الإخوان وزينب الغزالي لا تُعد من كثرتها .
هذا هو التنظيم الطليعي الذي وصفه السادات بأنه " سيء السمعة " ، وهنا يؤكد المؤلف انه قد تكشّف له من خلال الوثائق والنشرات والمواقف والأحداث والمستويات والرجال ، إن هذا التنظيم كان بغرض الأمن السياسي لمشروع عبد الناصر الذي كان يوقع على التقارير التي يرفعها له التنظيم بأحد العبارات الآتية : يُعتقل ويفصل - يُوضع تحت الحراسة - تُصادر أمواله ، كما فعل مع قضاة أمين سوكة وقضاة محمود عبد اللطيف، بل مذبحة القضاء في ١٩٦٩ التي كان سببها الظاهر رفض القضاة الانضمام للإتحاد الاشتراكي .
الكتاب جيد وأرشحه لمن أراد الاطلاع على جانب واحد ..جانب واحد فقط ..من فترة الظلام الناصرية .
الكتاب بيكشف قدا ايه الدوله كانت متغلغه جوه طبقات الشعب وكانت مخلياه فى حاله مراقبه وتربص دائم بنفسهم لدرجه ان الناس كلها بقت بتكتب تقارير فى بعض الناس دى دلوقتى ياما وزراء واو كانو او بقو رجال دوله و جواسيس امبارح بقو حكام النهارده
نشر الدكتور حمادة حسني كتابين أولهما كان عن التنظيمات السياسية لثورة يوليو، ونُشر في سسلة تاريخ المصريين، وثانيهما الكتاب الذي نتحدث عنه، كانت رسالة دكتوراة عن عصب آخر تنظيمات ثورة يوليو، ذلك التنظيم الذي ظل يحكم مصر حتى سقوط مبارك، منه رؤساء حكومة ووزراء ومسئولون وبرلمانيون، لكم أن تتخيلوا كيف كان هذا التنظيم متجذرا في دولاب الدولة، ومتغلغلًا في دهاليز البيروقراطية المصرية، تنظيم حاول أن يستنسخه أنور السادات ففشل، وحاول أن يقلده جمال مبارك فكانت النتيجة ساخرة.
كتاب الدكتور حمادة حسني "جمال عبد الناصر والتنظيم الطليعي" يشرح كيف كان التنظيم قويا إلى حد كبير، تنظيم خُلق بقرار فوقي من رئيس الجمهورية جمال عبد الناصر، ويقوده وزير الداخلية شعراوي جمعة.
كان جمال عبد الناصر مولعا بالعمل السري، فهو الذي ظل يراقب هواتف مسئوليه من أصغرهم إلى أكبرهم وذلك مُثبت في محاضر فيلا منشية البكري، كل هذا حضه على إقامة تنظيم سري يستخدمه للقوة والنفوذ، حيث يدين أعضاؤه له بالولاء ويكونون عونا له على مراقبة أعدائه.
بدأ التنظيم كحلقات عشرة، كل عُضو منهم يُحضر عشرة، ثم تغير ليصبح تنظيما جغرافيا، يقوده المحافظ وسكرتيره والمسئولون الكبار إلى عمد القرى، فكانت الاستفادة من الطرفين، الدولة تجلب موالين جدد والموالون يكسبون نفوذا، فالتنظيم وسيلتهم لتحقيق ما يريدون، امتيازات أموال ونفوذ.
دولة يوليو كانت معتمدة بشكل رئيس على رفع شعار الاشتراكية، حتى مع عدم تطبيقها أو تسميتها اشتراكية مناسبة لمصر، فكان اسم التنظيم في البداية، تنظيم طليعة الاشتراكيين ثم صار يُنطق اختصارا التنظيم الطليعي.
كانت المهمة الأولى لهؤلاء الأعضاء كتابة التقارير في زملائهم في العمل، فكانوا ١٥٠ ألف عضو بحسب شهادة أحد مؤسسيه وهو سامي شرف، لكم أن تتخيلوا عدد كُتاب التقارير في دولاب الدولة، قد يتحدث البعض ويبرر كتابة التقاير، لكن لا مبرر لكتابة تقرير لتنظيم يتزعمه وزير الداخلية، المحزن عند نشر الدكتور حمادة حسني لتلك الوثائق في هذا الكتاب ظهور كتاب نحبهم ونحترمهم يكتبون تقارير في زملاءهم ومنتمون لتنظيم يتزعمه وزير الداخلية، لكن يُعرف الرجال بالحق لا الحق بالرجال.
يسرد حمادة حسني في فصول الكتاب حديثه عن التنظيمات السياسية لعبد الناصر ثم يتحدث عن التنظيم الطليعي ثم علاقة التنظيم الطليعي بالقضاء تلك العلاقة التي تسببت في مذبحة القضاء بعد ذلك يكشف الوثائق التي عثر عليها ونص التقارير ونصوص بعض الاجتماعات لهذا التنظيم السري.