كان يجلس في كفّ أحدهم، حين اكتشف الرجل الذي في طول عقلة أصبع أن بإمكانه أن يحكي حكايات مُسلية. كانتْ حكايته الأولى مجرد كذبة صغيرة لم تتجاوز بضع كلمات وانتهتْ وحدها. كانتْ هذه كل طاقته وقدرته على الحكي والكذب حينها. رغم ذلك بات يشعر بالامتنان، إذ صار لديه ما يمكن فعله على ظهر هذه الأرض التي يكاد رأسه أن يلامس قشرتها، صارت الحكايات وسيلته الوحيدة ليثبت للناس أن ثمة مخلوقًا يكاد أن يتهشم تحت أحذيتهم. بمرور الوقت لاحظ أن قصصه تنمو باستمرار بمقدار كلمة أو اثنتين مع كل قصة يرويها. كان طوله أيضًا يزداد، كأن كل قصة جديدة بمثابة تمرين يزيد من لياقته ويجعل له نفسًا أطول في الحكي، ويمنح قامته بعض السنتيمترات، لذا بات يحلم أنه وفي يوم ما سيكون هناك مبنى شاهق من قصصه التي تنمو بالتدريج يقف فوقها، ليكون أطول من كل مباني المدينة.
التصنيف الأدبي/ قصص. التصنيف العمري/ جمهور عام. اللغة/ الفصحى. دار النشر/ المحرر للنشر والتوزيع. تاريخ النشر/ يناير ٢٠٢٥. عدد الصفحات/ ١٥٢ صفحة ورقياً ومتوفرة على تطبيق ابجد.
-------------------------
* قراءات سابقة للكاتب *
( صور معلقة على السور ) - رواية.
-------------------------
* نظرة على الغلاف *
رغم عدم إعجابي بأغلفة دار المحرر في إصداراتها لعام ٢٠٢٥ لكن هنا يحمل الغلاف تصوراً ملائماً لمضمون الكتاب. الحكايات كالزهور تحتاج للعناية والرعاية حتى تكبر وتتفتح.
من تصميم/ إسلام أحمد.
-------------------------
التقييم في كلمات:
أقاصيص تعهدها كاتبها بالسقاية الأدبية إلى أن ترعرعت وأزهرت قصصاً بالغة ذات شأن.
المستوى: 💫💫💫💫💫 التقدير: امتياز
-------------------------
مراجعة القصص:
القصص هي ما تعطي للكاتب احساسه بالحياة والوجود. قبل أن يخط أول كلماتها يظل كالقزم يشعر بضآلته على الأرض ، وتدريجياً مع توالي الحكايات يشب عن الطوق وقد يلامس حدود السماء يوماً ما وقد صار عملاقاً.
( قصص شاهقة جداً ) هي تجسيد لهذه الرؤية حيث البداية مع أقصوصة لا تتعدى بضع كلمات كأنها مولود خرج لتوه من رحم ومخاض الكتابة. بالرعاية والاهتمام اللازمين يكبر ويصير طفلاً يحبو وتتعدد كلماته ويستكمل نموه ليصير مراهقاً فشاباً ثم يصل لمرحلة النضوج وختاماً يبلغ سن الحكمة وقد جاوزت حكاياته بضع صفحات.
نلاحظ أيضاً عناوين القصص والذي جاء متماهياً مع الرؤية العامة للقصص حيث العناوين من كلمة واحدة فقط في البدايات ، تكبر تدريجياً بما يتناسب مع حجم القصة وعدد كلماتها وسطورها.
كذلك جاءت النصوص تحمل منظوراً مغايراً بعض الشيء للمعنى المباشر للعنوان فكل كلمة حمالة أوجه من التفسيرات والمعاني المتعددة والممكنة. تكنيك كتابة ليس بالسهل بكل تأكيد ويحتاج إلى موهبة حقيقية دون شك.
حملت النصوص تأملات ، سخرية ، اسقاطات ، تساؤلات ، نوستالچيا وغيرها الكثير جداً بما لا يسمح بالحديث عنها أو حتى فحواها فالمعنى في بطن الشاعر كما يقولون حتى لا أفسد التجربة على من لم يقرأها بعد.
في الختام هي واحدة من الكتابات التي لا تشبه غيرها وقليلاً - بالأحرى نادراً - ما أصادفها في عوالم القصص القصيرة بشكل عام.
ما استطيع التأكيد عليه أنها لاقت استحساني جداً ولا شك أنها تستحق القراءة والإستمتاع بها وعلى الأغلب هي ضمن أفضل ما قرأت منذ بداية العام وحتى الأن.
الكتابة موهبة ، ذكاء وخيال والعبرة ليست أبداً بعدد الصفحات.
-------------------------
ختام:
تجربة ثانية لي مع قلم محمد صفوت رفعت كثيراً من أسهمه عندي ككاتب يستحق أن أقرأ له.
بداية من الاسم تبدأ المفارقة وهنا كانت عبقرية الاسم فالمجموعة عبارة عن اقاصيص وليست بالمعنى الدارج للحكايات فهي شذرات تذكرنا بكتابات فلاسفة اليونان الأوائل طاليس، وهيراقليطيس، وغيرهم ، وهي أيضًا الطّريقة التي اختارها بعض المحدثين من أزمنة مختلفة فهي أسلوب موريس بلانشو، ورولان بارت، وباسكال وغيرهم. كل قطعة منها تمثل موقف حياتي مبدئي يعبر عن فلسفة الكاتب في كلمات قليلة تنفذ كرصاصة تصيب وجدانك وتنبه حسك وتستفز كيانك لتبحث عما وراء تلك العبارات. العمل يؤصل للفكر القائم على الصدمة وشراكة القارئ للكاتب وأحيانا الصراع معه. عمل ارشحه بشدة لمن يريد تيار عارم ينشط احاسيسه ويوقظها من الخمول. عمل تعيد قرائته كلما اعترى نفسك صدأ.
الكتاب دة بيفكرني بالوعود الكبيرة اللي بتنتهي بمجرد كلام على ورق. الفكرة فانتازية وذكية جدا، واحد بيكبر ويطول كل ما يحكي كذبة او حكاية لحد ما يوصل للسحاب. البداية بتشدك وبتحس ان فيه اسقاط عميق على فكرة صناعة النفوذ والسيطرة بالوهم، وازاي الهياكل الضخمة في مجتمعاتنا بتتبني على قصص وهمية. لكن للاسف، بعد نص الرحلة، النفس بيقصر والحكايات بتتحول لسراب ملوش سقف ولا ارضية صلبة تقف عليها. الكاتب حب يبني برج بابل من الكلمات بس الاساس خانة في النهاية. تجربة تقراها عشان الفكرة، بس متستناش منها تغيير حقيقي.
الكتاب في ثلثه الاخير بدى جيدا واخر القصص هي افضلها في كل المجموعة الغلاف غريب بعض الشيء القصص القصيرة جدا في بداية الكتاب لم تعجبني كان منها الملل ومنها المعقول اللغة قوية وشيقة تحربتي الثانية مع الكاتب وليست الاخيرة