السفر متعة وحرية. بواسطته نكتشف أن العالَم متعدد وكبير، وأن المكان الواحد ليس إلا صورة محدودة عن الكون اللامحدود، وأن الآخرين يختلفون عنا كثيرًا، لكنهم يشبهوننا بعمق حتى لنكاد أن نعثر على أنفسنا فيهم. نكتشف، أيضًا، أن الحياة الإنسانية لا تستقيم بطريقة واحدة، وإنما بما لا يحصى من الطرائق والغايات.
ولكن، كيف يمكن إقناع مَن لم يسافر بهذه المآثر، والسفر نفسه هو البرهان الأقوى على ذلك؟ إنه مهم لا في الحياة العاطفية فقط، ولا في علاقة الكائن بالأمكنة والكائنات فحسب، ولكن حتى بالنسبة لفاعلية العقل، وطاقته على الإدراك.
من أهم الروائيين العرب حاليا، وهو يشتغل في مجالات متعددة، فإلى جانب عمله كجرّاح في أحد المستشفيات الباريسية يمارس الكتابة في مجالات متعددة، من بينها الرواية وأيضا كتابة الرحلات والنقد، أحيانا.
❞ بالسفر، وحده، نفهم التاريخ. وليست القراءة إلا تمرينًا ذهنيًّا على النسيان. نقرأ لكي نحرِّض مخيلتنا على السفر، على رَبْطنا العاطفي بالأمكنة الأخرى قبل أن نراها، على قُبولها وكأنها أمكنتنا المُؤجَّلَة التي آن لنا أن نزورها. وعندما نراها ندرك أن كل ما حدسناه عنها، أو قرأناه، ليس إلا تدريبًا عاطفيًّا لتحمّل متعة السفر إليها. وسريعًا، ستغدو، مثل أمكنتنا الأولى التي فقدناها: تدفعنا إلى سَفَر جديد. لكن ذلك لا يؤلمنا كثيرًا، فحسب، وإنما سيحرِّضنا، أيضًا: فالمكان ليس للإقامة الدائمة فيه، وبخاصة عندما يفسد فضاؤه، وإنما للرحيل عنه. حتى تصير العودة إليه متعة، لا ضرورة وجودية. ❝
بدأت قراءة هذا الكتاب منذ شهر ونصف، كنت أتعمد الإطالة في قراءته؛ فهو لا يُقرأ في جلسة أو جلستين فقط. بعد يوم طويل، أستلقي على سريري، وبجانبي كوب من الشاي، وأسافر مع الكاتب حيثما ذهب. نسافر معه عبر مدن على طريق الحرير...
في الحقيقة، أنا أحب رؤية الأشياء أكثر من تصويرها، وأظن أن الكاتب يتفق معي في هذا الشيء حين قال: ❞ أصرخ صامتًا: اُنظُرْ! أُحَرِّض نفسي على الإبْصار! وأجدني أهجم على آلة التصوير لأخلِّد المشهد. وسريعًا أدرك الفرق الشاسع بين الواقع والصورة. فأكفُّ عن التصوير، فورًا؛ حتى لا أُشوِّه ما أرى، وأعود إلى «كتابة الكون» كما أحسّه وأراه. ❝.
لغة الكاتب عذبة والكتاب جميل جدًا.. أتمنى أن تسنح لي الفرصة للسفر إلى أماكن متعددة.
مراجعة كتاب “أنا مكان” للكاتب السوري “خليل النعيمي”. بقلم: حسين قاطرجي.
☆ أحبّ أدب الرحلات، ليس لأنّي أراه وصفاً لرحلةٍ جغرافيةٍ فحسب، بل هو رحلة فكرية وثقافية تمنح القارئ رؤيةً أوسعَ وأعمق للعالم الذي يعيش فيه، والأجمل عندما يمنح الكاتب قرّاءه مجالاً للتحليل والتفسير الشخصي للظواهر والمشاهد والمواقف المختلفة التي مرّ بها. هذا النوع من الأدب غير أنّه يعكس شخصيّة الكاتب؛ بل يتيح للقارئ أيضاً فرصةً لفهم رؤىً متعدّدة للعالم.
في كتابه الرائع “أنا مكان”، يحكي لنا الروائي السوري “خليل النعيمي” (الذي عاش جُلّ حياته مغترباً)، تجارب أسفاره في أصقاع الأرض، من دول آسيا الوسطى ثم تايلند واليابان ثم دول سقف العالم وغيرها..
يوفّر الكتاب مادةً ملهمةً للأدباء والفنانين. فالكلمات التي يكتبها الرحالة/الكاتب قد تلهم قصيدة، رواية، أو حتى عمل فني، الأوصاف الدقيقة للمناظر الطبيعية والمشاهد الحياتية يمكن أن تكون مصدر إلهامٍ للعديد من الأعمال الإبداعية.
☆ يُلاحظ القارئ النبيه أنّ البادية السورية لم تفارق ذاكرة الكاتب ووجدانه، كان في كلّ رحلاته يذكر طفولته في الحسكة، وفي خانات حلب التي يزورها فوق سيارات نقل القطن وغيره من خيرات بادية الشام ونهر الخابور.
رغم أسفاره الكثيرة، تتقاطر ذكريات الكاتب “خليل النعيمي” من بين ثنايا ذاكرته كالمطر. فقد غادر الكاتب بلاده منذ نصف قرن بحثاً عن الآفاق الجديدة والعالم الرحب، لكنه لم ينسَ أبداً تراب أرضه التي نشأ وترعرع فيها.
في كل سفرٍ، وفي كلّ غربةٍ، يحمل الكاتب الوطن في قلبه. يأبى هذا القلب إلا أن ينبض بحبّ الوطن الأم، يراه في كل زاويةٍ وركن، في دفء الشمس حين تشرق، وفي نسمة الهواء حين تهبّ، تتسلّل الرائحة العطرة لتراب الوطن ومافيها من ذكرياتٍ لتنعش روحه المشتاقة لكل ما هو أصيل.
لقد كان الكاتب يرى في كلّ وجهٍ غريبٍ ملمحاً من ملامح أهله وناسه، ويبحث في بريق عيونهم ونبرات أصواتهم حنيناً لأصوات العائلة حول مائدة الطعام، ولضحكات الأصدقاء في أمسيات الشتاء الباردة.
☆ قد يثير أحد الأصدقاء فكرة أنّ مشاهدة فيديو لصانع محتوى يهوى السفر قد يُغني عن قراءة كتب أدب الرحلات، أقول لأولئك الأصدقاء أنّ ذلك يعتمد في الدرجة الأولى على تفضيلاتك الشخصية وأهدافك من التجربة، دون أن نُغفل مزايا كتب أدب الرحلات التي تفتقدها تلك الفيديوهات، ومنها:
تمنحك قراءة أدب الرحلات تجربة أعمق وأكثر خيالاً، حيث تتطلب القراءة تصوّر الأماكن والقصص. تقدّم هذه الكتب تفاصيل ثقافية وتاريخية لا تظهر عادة في الفيديوهات. تساعد على تحسين اللغة والمفردات. تجعلك تعيش التجربة بشكلٍ شخصيٍّ وهادئ. ☆ وخلاصة القول، لقد أتحفنا الكاتب بمغامراتٍ مشوّقة، وصادقة عن بلدانٍ زارها، دون أن تغيب ذكريات طفولته في وطنه الأم عن صفحات الكتاب، وطاف بنا أصقاعاً بعيدة مع تأكيده على أنّ الوطن هو الجذور العميقة التي لا يمكن لأي رياحٍ أن تعصف بها.
☆☆ ملاحظتين على قدرٍ من الأهمية:
انتقيت ممّا كتب “النعيمي” في كتابه هذا أزيد من خمسين مقتبساً رائعاً، ولقد شاركتهم على “حائطي” على تطبيق أبجد، والحق أقول: تستحق هذه المقتبسات أن أُفرد لها منشوراً خاصاً.. قدّم “خليل النعيمي” للمكتبة العربية خمس كتبٍ في أدب الرحلات، وحوالي عشر روايات، واحدة منها اسمها “الخلعاء” وهي رواية مُرهقة وفريدة جداً كونها مؤلفة من جملة واحدة فقط يصل طولها حوالي 200 صفحة. (بحسب طريقة قراءتي لها على أبجد)، سأتوقف معها في مراجعةٍ قريبة بعون الله. ● أنا مكان ● خليل النعيمي ● دار ديوان، الطبعة الأولى 2025. ● 192 صفحة.