ما كذبَ أجدادُنا حين قالوا:
"حبُّ عليِّ بن أبي طالبِ
أحلى من السكَّرِ للشارِبِ"
إذ يكفي أن يُذكرَ اسمُ عليٍّ ليبتهجَ القلبَ ويتهلل، ليُفرشَ بالوردِ ويُزهِرَ ويحيا بعد ذبولِه.
غريبٌ هو تأثيرُ هذا الاسمِ رغم أنَّ لا غريبَ على عليٍّ أو فيه.
كشيعيٍّ، أنتَ تدركُ حلاوةَ اسمِه لأنَّك تواليه، لأنَّ حبَّه سارٍ في أوعيتِك الدموية، لأنَّه جزءٌ لا ينفكُّ عن وجودِك وخلقِك، أما القراءةُ عن عليٍّ بلسانِ المسيحيِّ الذي لا يتخذُ عليًّا وليًّا، بل لا يشاركه نفس الدين، ورغم ذلك يحبُّه، يتأمل سيرته وكلماته كما قد لا يفعل الشيعي -للأسف-، فحبه لعليٍّ ليسَ ورثًا ورثه عن أبيه وأجداده، إنما هو حبٌّ نتج عن معرفةٍ حقةٍ بشخصِ عليٍّ وخُلقه، بخطِّه وقيمِه ونزاهتِه وعدلِه، ومَن عرفَ عليًّا ليس له خيارًا سوى الذوبان فيه.
قرأتُ من الكتاب الجزءَ الذي كتبه جورج جرداق قبل أن يفردَ لاقتباساتِه من نهجِ البلاغة الجزءَ المتبقيَ من الكتاب، وللغتِه وأسلوبِه حلاوةٌ تُضافُ إلى حلاوةِ المكتوبِ عنه، فوددتُ لو طال حديثُه إذ له مذاقٌ يختلفُ لكونِه لا يشاركني الاعتقادات نفسها.
في الجزء الذي قرأته، يُبدي الكاتبُ إعجابَه وانبهارَه ببلاغةِ أميرِ البلاغة، فيأتي على اقتباساتٍ من النهجِ ومقاطعَ منه ويفصحُ عن شعورِه وأفكارِه محلِّلًا بذلك شخصية عليٍّ من خلال ما قاله.
أسأتُ استعمالَ لفظ القراءة فيما سبق إذ تذكرتُ عند وصولي إلى هذه الفقرة أنَّني كنتُ أستمع إلى الكتاب، وما أظنُّ هذا ناتجًا إلا عن شدة إعجابي به وشعوري تجاهه كما لو أنَّني قرأتُه بعينيَّ!
يفتقرُ الكتابُ المسموع للفصول الأخيرة التي تمثل ثلثَي الكتاب وهي ليست سوى اقتباساتٍ مباشرةٍ من نهج البلاغة رُتِّبت وصُنِّفت في فصول، ولأنَّ قراءة الاقتباسات لا تروقني غالبًا، لم أكمل ما تبقى، برجاءِ أن يهبَني اللهُ عمرًا وتوفيقًا لقراءتها من النهجِ مباشرة.