نصوص نداء فاروق غانم، الصادرة أخيرا عن الدار العربية للعلوم، بعنوان «خفيف كالهواء.. ثقيل كمروحة»، تبدو رشيقة ومتخففة من زوائد الكلام الذي لا طائل منه، وهي تقترب، برشاقتها هذه، من سمة البلاغة كما حدّدها النقاد الأوائل بإصابة المعنى بأقل لفظ ممكن؛ لكن رشاقة اللفظ وأناقته مشدودة، بالمقابل، إلى كثافة المعاني المحمّلة بتجربة ثقافية وحياتية غنية.
ومع كل نصّ، ينفرط القلب كحبات مسبحة، وتومض النفس كبريق ألماس، وتبدأ نداء بممارسة طقوسها الخاصة؛ تحدق، تبتسم، تتجهم، تتمعن، تضحك، ثم تشتعل شوقاً، حنيناً، تتنهد، فتهمس: ليتني قصيدة تعزفها روحه!
تتحرر نداء غانم في كتابها الأول الذي يأتي بالفعل كما أسمته (خفيف كالهواء .. ثقيل مروحة) من قيود التصنيف كلها، فتكتب بحريّة وانسيابية، تاركة للقارئ الحكم على ما يطالعها عنها من "نصوص" تجاور الشاعرية حينًا وتقترب من القصة حينًا وتتجاوز كليهما أحيانًا أخرى، ولكنها تظل متسمة بتلك السة التي تميز الكتابة الجادة، حيث إحساسٌ عالٍ يتدفق من بين السطور، وقدرة على التقاط الحالات الإنسانية والشاعرية بمهارة ..
(مع كل نصٍ ينفرط القلب كحبات مسبحة، وتومض النفس كبريق الماس، وتبدأ ممارسة طقوسها الخاصة: تحدِّق، تبتسم، تتجهّم، تتمعن، تضحك، ثم تشتعل شوقًا حنينًا، تتنهّد، فتهمس: ليتني قصيدة تعزفها روحه)
(حبيسٌ أنت في قطار الحياة، مجبرٌ على المرور من محطةٍ لأخرى، ينزل أناسٌ ويصعد آخرون، لاتمتلك نفسك ولا غيرك، مشاعرك لاتقدم ولاتؤثر في مصيرك، لاتملك حق اختيار الموت أو حتى الحياة، إن أسرفت في العبوس أو الابتسما فلا يهم، كلاهما لك .. حتى يصل بلك القطار إلى محطتك الأخيرة، فتقذف في حفرةٍ وحيدًا ويمضي القطار. وحده الأثر الذي تركته فيمن مروا بك، سيشهد يومًا أنك كنت عابرًا في قطار الحياة) . تقسِّم نداء كتابها إلى أربعة أقسام (عن الحياة وأشياء أخرى ، عن الحضور الناقص، عن الحب ذات أمل، وأخيرًا من صندوق الحكايات) فتبدو الأقسام الثلاثة الأولى الأقرب إلى الشاعرية وإلى قصيدة النثر بشكل خاص، فيما يختص الجزء الرابع ب"الحكايات" التي تتميزة بأنها ومضات قصيرة، لتلتطق فيها مشهدًا أو حكاية عابرة وتركز عليها، وهي لقطات لا تخلو من إحساسها الذي يمنحها طابعًا خاصًا، تقول في نصٍ بعنوان "ظل امرأة" لاشيء يهز روحها، تعيش الحياة كظل يظهر في النهار، ثم لايلبث أن يتبخَّر ليلاً ، تتقن حشو نفسها في كل حديث، توزع ضحكاتها ساخرة بين الجميع، فيما ينظرون إليها بعين الشفقة، بزغ النهار كعادته، ولم تظهر هي. لم يلحظ أحدٌ غيابها. ............. شكرًا نداء على هذه الكتابة الجميلة، وفي انتظار القادم الأجمل